من الذي قال أن الموتى لا يصرخون

لم يعد يحس بالكثير. لم تعد هناك ذرة إيمان في قلبه. تشرَّب جميع أنواع السحر والشعوذة. أصبح ماكرًا خبيرًا في تعاويذ الوصل والفصل. يتنقل بعقله حيث ما شاء.
قرأ ذات يوم عن التعويذة المثالية مثلما يقال، تعويذة تجعلك قادرا على صنع السحر بدون أن تستعين بشيطان أو جنيّ.قيل أن مكان أدائها الوحيد يكمن في وادي عبقر المشهور. عقد النية، حزم حقائبه واتجه نحو وادي عبقر…
ركب بالقافلة، الناس تنظر إليه بريبة. فمنظر الديك الأسود المربوط بقدميه لم يكن مطمنا. إنتقل عبر ثنايا حضرموت. عبر جبال ثمود. أو كما قيل.
يتذكر ما ورد في تلك الصفحات. ” نار توقدها ملها شرر ، من عظام كلاب أصابها السعر ، دم عذراء لم يلامسها بشر ، لسان خروف مات من الفتر ، وديكٌ مسوّدٌ كليل بلا قمر. اثناعشر خشبة من محروق الشجر ، ومن الأصابع أحد عشر. دمعة عاصي وخصلة من شعر. وأْتي من أرض المغرب بحجر. وأقتل جنيا غصبا. وأدي الطقوس عند السّحر، تنل قوة لم يعهدها بنو البشر ”
ثلاثة أشهر وهو يجمع المواد. تعلّم أنه في السحر لا يوجد عقل. مكونات تذهب بالمنطق. إتكأ على عصاه، يراقب ذلك الوادي السحيق. أصوات رياح بلا رياح. وضحكات عبر الظُّلَّم.
يشعل قنديله. يرفعه على طرف عصاه الطويل. يتجاوز الحجارة الغريبة. يرى أن خيوط الفجر بدأت تظهر، فيبدأ بالطقوس.
“نار من عظام كلاب وخشب. حلقة من دماء العذراء. يتذكر كيف استدرجها وقتلها في إحدى شوارع بلاد كِندَة. واستقطع اصابعها العشرة وضحى هو بثلاثة. ‘سوف ينال غيرها فهو سيكتسب قوة مهولة’.
العصي العشر كون منها حلقة سداسية. ووضع بها الأصابع. وبدأ يتمتم التعويذة
” عند التقاء السحاب
وعندما تبتسم الكلاب
ترى بين النيران اشباح ذئاب
خرائط هاروت وماروت وقوة الجبروت وصوت بكاء الحوت.
عندما يميل النور وتظهر الظلمة، عندما تتساوى النعمة بالنقمة. يسقط الميت حيا وتتعذب الروح ”
يذبح الديك لكن الديك لا يموت. يفور دمه كنافورة ، وتتكون حلقة في الهواء من دم الديك. وريشه الأسود يتحول إلى سائل أسود ويصعد مجسدًا جسد كائن مخيف. ترتبط به سلاسل الدم فيما يشبه يديه. يصرخ
“أتخونني يا زيعان ، أتريد قتلي”
“أنت تعلم أنك السبيل الوحيد لأنال القوة الكاملة ”
“لكني خدمتك وأخلصت لك ”
“حان آوان خدمتك أن تبلغ أوْجها ”
توقع الساحر من الجنيّ الترجّي والتوسُّل لحياته. ولكنه عيناه لعمت عبر النار ، أصابت قلبه بالخيفة. توجّس رعبًا رغم أنه المسيطر.
وما لبث أن وجد حوله ظلالًا سُود، تلفت يمنةً ويسرة ، علم أنه هو المحاصر. تكسرت حلقة الدم بعد أن تحجّر. صرخ الساحر من الخوف
“لا تظن أبدا أني كنت وحدي. أنا مجرد فرد في قبيلة. ولابد أن نطبق فيك حكم الخيانة يا زيعان. لقد خنت ميثاق السحرة والجنّ. لقد صرت لنا يا زيعان ”
….


ثلاث ليال حملت الرياح أصوات استغاثة وصراخ للقرى المجاورة. أرسلوا من يستكشف في نهار اليوم الرابع. وعندما جابوا الصحراء وجدوا جثة مغروسة على رأسها ، وصوتٌ من تحت الارض كضحكات.هربوا كأنما الموت يلحقهم. سمعوا ورائهم وهم يركضون. “جزاء الخيانة العذاب الأبدي ،”
صوت صراخ يعلو مرة أخرى. ضحكات قوية ، إلتفتوا ورائهم ليروا الجثة معلقة في السماء وهي تصرخ.. ..


من قال أن الموتى لا يصرخون…؟

معلومات عن الكاتب

الجبل

إنسان وغد وساخر ، متعدد الشخصيات بدون نفاق

اترك تعليقاً