تعلقّا أيدي بعضهما ودخلا إلى المسكن الضّارب في الماضي.. الذكريات والفقد، هل ستحتفي مصابيحه الباهتة وأثاثه العتيق بالعروس الجديدة، أم ستخشى على رائحة الرّاحلين أن تزول منها.. قال لها وهو يصف المكان، هذه صالة المعيشة، حيث أقضي معظم وقتي.. أشرب القهوة، أصحح الدفاتر، أستمع للمذياع، وأتناول غدائي أيضا.. هي وجبة وحيدة في اليوم لا أثني عليها، تعالي وشاهدي المطبخ، الأكبر في المبنى والأكثر تنظيما، لأنني لا أتردد عليه كثيرا على أية حال.. يمكنك تغيير ما تشائين هنا. هل ننتقل للشرفة؟ توقفت وسألته:
-ما بك؟
-ماذا!
-لم تتحدث عن المنزل وكأنك بعته، شعرت أنني مشترٍي لا يهمه غير فرصة لا تعوض، رجل يائس يبيع بيته بثمن بخس.. وهو اشترى.
-أنتن النساء.. لا أفهم كيف وصلت هذه الفكرة إلى مخيلتك.
-ضحكت.. اعلموا أنكم أيها الرجال حين تتفوه ألسنتكم بمثل جملتك الأخيرة فإن وجوهكم حينها تقول: يا إلهي.. كيف عرفت ذلك!
تقدمت نحوه ووضعت يدها على كتفه، لست هنا لآخذك منهم.. ولا لأغير شيئا في المنزل، أنا هنا لأننا.. أنا وأنت بحاجة إلى رفيق يرشدنا ويحتمل معنا ليالي السهر الطويل، والتفكير المرهق، اللحظات التي نتساءل فيها عن سبب وحيد يدفعنا لنستيقظ صباحا بدون إحساس الكدر واللامعنى المقيت ذاك.. والآن، أرني غرفتيّ الأبناء.
هنا نام عزيز وخالد.. تجدين عند سرير عزيز ذو الاثني عشر عاما، صورا لطائرات وكابتن، كان ذلك حلمه، حين يأتي موعد النوم يناديني ليطير بي في رحلة ما قبل النوم، كان قاصًّا بارعا لكنه ينسى كثيرا.. أما خالد وهو ذو سنين تسع، فلم يكن ذو اهتمام واضح بأمر معين أو لم يكتشفه بعد.. لكنه كان يحب أخاه الكبير عزيز، يحبه جدا ويحترمه -تابع وقد جلس على سريره وسحب غطاءه بين يديه- تعرفين.. كانت علاقتهما ببعضهما غريبة جدا، لما كان خالد يتعرض للمضايقات في الشارع، كان يهدد الأطفال أن يبلغ أخاه الأكبر عنهم فيأتي ليضربهم.. لكنه لم يفعل ذلك يوما، ولما سألته عن السبب أجاب:
-لأن عزيز يحبني جدا وسيغضب كثيرا، وهو يرتكب الكثير من الحماقات عندما يغضب، لن أسمح له أن يؤذي نفسه بسببي!
-هذا مدهش فعلا..
-نعم هو كذلك، أما نبيل الصغير فكان متعلقًا بأمه ولين، ست سنوات ولكنه كان بارعا جدا في لعب الكرة وإلقاء الشعر.. الاثنان معا، حضرتُ مباراته الأخيرة التي أهداني ووالدته قصيدة بمناسبة الهدف الذي أحرزه فيها.. كانت قصيدة رائعة -قال هذه الجملة وهو يتمدد الآن وقد وضع كفيه تحت خده وتابع- هل أحكي لك ماذا حدث قبل بدء تلك المباراة؟
استلقت رأفة أيضا وقالت: نعم، أحب سماع ذلك.. وناما حيث هما، وحيد على فراش خالد، وهي بين طائرات عزيز.

يتبع..

معلومات عن الكاتب

لينا السماني

كوب القهوة المسكوب، يلهمني أن أكتب، وملامح شريد نهره أحدهم، تعطيني جملة أو اثنتين، ولو أنها تنخر موضعا في قلبي إلا أنني أهرع لأن أكتبها، أنا طفلة تبيع الورد في مدارج العابرين، وتبحث في الوقت نفسه عن ظل أحدهم..

اترك تعليقاً