كان يرى ذلك اليوم أمامه و كأنه كان الأمس .
كان الأمر أشبه بالخيال و لكن الوداع كان واقعه المرير .
أم كان كل ذلك حلمًا “) ..

الثالث والعشرون من مارس ، العام الخامس عشر من الألفية الثانية .
السماء السوداء المزرقة تلبدت بالغيوم حتى بدا ظلها على الأرض ، والساعة لم تتعدى الخامسة صباحًا بعد .
رائحة الصباح الجميلة تفوح في أنحاء طريقه نحو الجسر القديم . سمع صوتًا يناديه من الخلف : أنا اشتقت إليك كثيرًا .
أحس بالغضة في قلبه و لكنه لم يعر الأمر إهتماماً .
اعتاد على ذلك سماع ذلك الصوت كثيرًا و لكن قل ما التفت ليرى من صاحب ذلك الصوت .
لأنه يألفه جيدًا “) …
الحادي والعشرين من مارس ، العام الخامس عشر من الألفية الثانية .
كان كل شيء على ما لا يرام و لم يكن قلبها يمر بأفضل حالاته في تلك الفترة ، نظرت إلى الخاتم في يدها ثم قرأت ورقة صغيرة و دلفت عيناها دموعًا ساخنة .
إشتاقت إليه كثيرًا و لم تقوى على العيش بدونه .
الثلاثون من مايو ، العام ثلاثة و ألفين .
نظر إليها و ابتسمت فابتسم ، كان يحمل قلمًا وقال : أوتعلمين ؟ .
قالت : ماذا ؟ .
قال : أظن أن ما سأكتبه في هذه الورقة سيغير كل شيء .
و لم تفهم ما كان يعنيه ولم يعقب شيئًا سوى أنه أمسك بالقلم و بدأ بكتابة الألف و الباء والحاء ثم توقف قليلًا فابتسمت و بعثرته فأكمل ، و كتب الكاف مع كسرة صغيرة تحتها .
ثم نظر إليها مجددًا وقال : في أي ظرف من الظروف وأي وقت من الأوقات ، بكل ما أوتيت من قوة و بكامل قِواي العقلية ، أنا أحبك و أنا لن أعِ ذلك بقدر ما أعيه الآن .
عانقته وقالت : و أنا أيضًا أحبك .
قال لها : سنضع هذه الورقة داخل هذا الصندوق و في كل مرة نأتي فيها إلى هنا سأقرها لكِ .
الثالث والعشرون من مارس ، العام عشرة و ألفان .
التقيا في الجسر القديم من جديد كما كانا يفعلان في مثل هذا الوقت من العام في كل عام . صادف ذلك اليوم عيد ميلادها و رغبت أن تكون هديتها المميزة أن يكون بقربها عندما تشرق شمس أول يوم من العام الجديد في عمرها . كانت بمثابة السموق للسماء بالنسبة له .
” من الغريب كم لا يدرك المرء قيمة الشيء إلا عندما يفقده ”
لم ينطبق عليه ذلك المثل لأنه أدرك قيمتها عندما نظر إليها للمرة الآولى .
أواخر العام ألفين و أربعة عشر .
كانت تسير نحوه ببطء شديد لأنها كانت خائفة بإخباره أنه ربما سيكون اللقاء الأخير لهما .
كان يحمل الزهور و بداخلها خاتم من الفضة في علبة مكتوب عليها : ” حلمي أن أراك أول شخص عندما أستيقظ و أن تكوني الشخص الوحيد الذي أقبله قبل أن أنام ”
أمسكت بباقة الزهور و بدأت بسرد القصة .
و أول سؤال خطر على باله عندما روَتْ له أن عائلتها ستهاجر إلى الخارج ؛ متى سنلتقي مجددًا ؟ .
صمتت قليلًا ثم بدأت بالبكاء ، سقطتْ من بين يديها باقة الورود ، التقطتها و عانقته. ربّت على ظهرها و قال لها أن كل شيء سيكون على ما يرام .
و رحلت في صباح اليوم التالي .
مجددًا الثالث والعشرون من مارس ، العام الخامس عشر من الألفية الثانية .
هو لن يعِ يومًا ما أن النهاية ستكون مريرة إلى تلك الدرجة .
لم يعي بعد ، أنها لن تأتي إليه اليوم و لا أي يومٍ آخر .
و بالطبع لم يعي أن تلك اللحظة كانت النهاية .
على الجسر يقف وحيدًا أدخل يده في الصندوق المعلق في حائط الجسر القديم المهجور ليخرج الورقة التي كتبها قبل اثنتا عشرة عامًا ، و لكنه وجد ورقة آخرى . إستنشق نفسًا عميقًا و توقف عن البحث بعدها .
كان يرى ذلك اليوم أمامه و كأنه كان الأمس .
كان الأمر أشبه بالخيال و لكن الوداع كان واقعه المرير .
أم كان كل ذلك حلمًا “) ..
نظر إلى الورقة و كان خائفًا من أن يقرأها ولكن في النهاية مسح الدموع التي لم تسقط من عينيه .
” و أنا أحبك أيضًا ” جعلت الدموع تنهمر من عينيه .
أغلق الورقة و وضعها في جيبيه و لأول مرة منذ اثنتي عشرة عامًا أصبح الصندوق فارغًا .
و عندما انتهى اليوم وهو يقف على حاف الجسر ينظرها وهو يعلم أنها لن تاتِ تأكد تمامًا أنه لم يكن كل ذلك حلمًا ..
و تمنى لو يتحقق الحلم بالرغم من أنه موقن أنه ليس للمدركين أحلام “) ..
#أحمد_عصام

معلومات عن الكاتب

أحمد عصام الدين محمد

الروائي أحمد عصام الدين محمد ، من مواليد عام ١٩٩٩ ، ولد و ترعرع في مدينة أمدرمان حتى اللحظة .
اتخذ الكتابة خليلًا منذ ٢٠١٣ و من أعماله الفنية رواية : أبديتنا الصغيرة و قريبًا رواية عندما حل الشتاء ..
وقد تكون السعاده -احيانا- شخصاً ...
وقد يكون الحزن غيابه 😄💓

اترك تعليقاً