“لماذا وُلِدتُ بين المرايا؟ اليومُ يدورُ من حولي/ والليلُ يصنعُ نسخا مني/ في كل النجمات” فريدريكو لوركا.
يسأل لوركا، المؤثّر البارز في شعر درويش، عن المرايا، لماذا تجمع العالم حوله وتكرره نسخًا نجمية، ويخنع في ذات الوقت، درويش، للمرايا برفقة حبيبته.. فيقول:
لماذا نحاول هذا السفر
وقد جرّدتني من البحر عيناك
واشتعل الرمل فينا..
لماذا نحاول؟
والكلمات التي لم نقلها
تشرّدنا..
وكل البلاد مرايا
وكل المرايا حجر
لماذا نحاول هذا السفر؟


محمود درويش، شاعر القضية الفلسطينية، ولد عام 1914، بقرية البروة، أنهى تعليمه الثانويّ بمدرسة بني، بكفرياسيف، ثم التحق بالصحافة، كتبَ وثيقة الاستقلال الفلسطيني التي أُلقيت في الجزائر.
في عام 1948، خرجت أسرته مع اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان، ثم عادت بعد عام إثر الهدنة التي أبرمت، عادت متسللة، إلا أنها ذُهلت كباقي أهالي القرية، حين رأوها نُثار ذكريات، صارت القرية أطلالا، و”أحيهود” قامت عاتيةً على شاهدها. كتب عنها درويش في ديوانه الأخير “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي”.

وقفت القصيدة “طليلة البروة” شامخة كشموخ القرية في ذاكرة درويش.. يقول:
“أمشي خفيفاً كالطيور على أديم الأرض,
كي لا أوقظ الموتى. وأُقفلُ باب
عاطفتي لأصبحَ آخري، إذ لا أحسُّ
بأنني حجرٌ يئنُّ من الحنين إلى السحابةِ.
هكذا أمشي كأني سائحٌ ومراسلٌ لصحيفةٍ غربيةٍ.
أختار من هذا المكان الريحَ…
أختارُ الغياب لوصفه.
جلس الغيابُ محايدا حولي، وشاهده الغرابُ محايدًا.
يا صاحبيَّ قفا… لنختبر المكان على طريقتنا:
هنا وقعت سماءٌ ما على
حجرٍ لتُتبزغَ في الربيع شقائق
النعمان… أين الآن أغنيتي؟
هنا كسر الغزال زجاج نافذتي لأتبعه
إلى الوادي.. فأين الآن أغنيتي؟
هنا حملت فراشات الصباح الساحرات طريق
مدرستي.. فأين الآن أغنيتي؟
هنا هيأتُ للطيران نحو كواكبي
فرسا.. فأين الآن أغنيتي؟
أقول لصاحبيَّ: قفا.. لكي أزن المكانَ
وقفره بمعلقات الجاهليين الغنية بالخيول وبالرحيل كل قافية سننصب خيمةً”.


اُعتُقِل محمود درويش من قبل السلطات الإسرائيلية مرارًا بدءًا من العام 1961 بتهم تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي وذلك حتى عام 1972 حيث توجه إلى للاتحاد السوفييتي للدراسة، وانتقل بعدها لاجئًا إلى القاهرة في ذات العام حيث التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية.
في الفترة الممتدة من سنة 1973 إلى سنة 1982 عاش في بيروت وعمل رئيسًا لتحرير مجلة شؤون فلسطينية، وأصبح مديرًا لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن يؤسس مجلة الكرمل سنة 1981. بحلول سنة 1977 بيع من دواوينه العربية أكثر من مليون نسخة.
إلى أن غزا الإسرائيليون بيروت، ليلقوا به من جديد في مدارج التيه، بين سوريا وقبرص، القاهرة وتونس وصولًا إلى باريس، التيه الذي قال فيه:

“يا حبي الباقي على لحمي هلالا في إطار
أترى إلى كل الجبال، وكل بيارات أهلي
كيف صارت كلّها.. صارت أسيرة؟
وأنا كبرتُ، كبرتُ يا حبي القديم مع الجدار
كبر الأسير، وأنت توقدُ
في ليالي التيه أُغنيةً ونار
وتموت وحدك، دون دار”

توفي “عاشق فلسطين” و”رائد المشروع الثقافي الحديث” و”القائد الوطني اللامع المعطاء” كما وصفه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، توفي بتكساس إثر إجرائه عملية قلب مفتوح دخل بعدها في غيبوبة لم يفق منها.. كان ذلك يوم السبت، التاسع من أغسطس 2008.


صنف النقاد شعر درويش إلى مراحلَ خمسة.
المرحلة الأولى، مثّل فيها شعر الكِبار، صدر ديوانه “عصافير بلا أجنحة” 1960.
المرحلة الثانية: أظهر فيها للقراء اتساع مقروءاته الشعرية في ديوانه “أوراق الزيتون” 1964.
المرحلة الثالثة: تمتد من عام 1966 إلى 1973 قدّم خلالها أربعة دواوين: “آخر الليل، عاشق من فلسطين، العصافير تموت في الجليل، حبيبتي تنهض من نومها” وكانت هذه مرحلته الشعرية الأخيرة في الأراضي المحتلة.
المرحلة الرابعة: تجلى فيها غِناه الشعري وعبقريته اللغوية، وذلك في ديوان “أحبك أو لا أحبك”
المرحلة الخامسة: المرحلة الملحمية التي بدأها بديوان “أعراس” وامتدت حتى ديوان “لماذا تركت الحصان وحيدا”.

هذه الأعمال الكاملة لمحمود درويش، بين يديكم.

تحميل الكتاب

 

 

 

معلومات عن الكاتب

لينا السماني

كوب القهوة المسكوب، يلهمني أن أكتب، وملامح شريد نهره أحدهم، تعطيني جملة أو اثنتين، ولو أنها تنخر موضعا في قلبي إلا أنني أهرع لأن أكتبها، أنا طفلة تبيع الورد في مدارج العابرين، وتبحث في الوقت نفسه عن ظل أحدهم..

اترك تعليقاً