قد تتفقُ معي أن الوطنَ هو مقرُّ الإنسان و مِربضُه الذي يأويه، و إليه يكونُ انتمائُه، وُلد به أم لم يُولد! و قد نختلف في شعورنا بالوطن و حبّنا له و حتى إعترافنا به؛ بالطبع مفهوم الوطن يختلفُ عند من اعتاد على العيشِ و التنعّم بكافة المنافع الوطنية، و لم يواجه مرّ المنغصات في عيشه، عن من عانى و كابد لينال لقيمات لا يبرحن يشبعنه، و هو الذي لا يتوسّد إلّا الأرصفة و يلتحف الدخان الخانق و السماء الحالكة، هذا و هو في “وطنه”، فكيف يقول عن هكذا حياة أنّها “كريمة”؟ أو كيف نقول نحن عن هكذا مكان لا نشعر فيه سوى بالجوع المزمن و الحزن العميق و المرض وطناً و هو لا يملك لنا إلّا الصعاب و المحن و الكروب، ضوائقٌ مستمرة و مستقبل مجهول! هذا ليس وطني، سأبحثُ عن وطنٍ آخر، سأجدُ لي وطن!
ثم جاء ردّه كصفعة جليدية على كلامي المتمرد:
“يبقى الوطنُ وطناً حتى نموتَ نحن، أو يموت، لا مهلاً، الوطنُ وطنٌ مذ وُجد و إلى ما بعد الوجود، الوطنُ في الوجدان لا يفنى و لا يستحدث، هو خارقٌ لكلّ قوانين الطبيعة و ما وراءها، حبّ الوطنِ فطرة، مهما كان الوطنُ موحشاً و مريضاً، فما هي إلّا وعكاتٌ، تنتهي حين تستيقظُ الشعوب، و تدرك الخير في دواخلها، أما نحنُ و بصورة عربية إفريقية خالصة، نحبّ وطننا بكل ما فيه، ” و رغم الحاصل لينا كلو و الحاصل للسودان و الجوع و الموت و الثورة و ايي شي وجعنا و ايي شي فقدناه، بنحب بلدنا و بنفديها، بنحبّ السودان، لأنّو في الآخر وطننّا..!”
تسللت من عيني اليسرى دمعة نادمة، شقّت خدي حارّة و مؤلمة، غادرتني و معها كل الأفكار الخائنة، و ما كان منّي إلّا أن أقول له و كلّي امتنان لصفعته التي أيقظتني من غفوتي، و أزاحت عني ضباب الفكرة: ” السودان أمّ و أبّ، و يبدو أنّك إبنه البار..!”

معلومات عن الكاتب

رُقيّة علاء الدين

اترك تعليقاً