السّكك الحديدية اختراعٌ عظيمٌ، و قد سهّلَت علينا التّنقُل و التِرحَال، فالقطاراتُ من أجمل طُرُق السَفَر، لما توفِّرُه من هدوءٍ و فسحةٍ للمسافرِ، لكن هل سألنَا -نحنُ المسافرين- أنفسنا يوماً عن كم الضغط الذي نسببه للسّكة التي يسير عليها القطار؟ كم نحن ثقيلون و مرهقون بالنسبة لها؟!
أنا استغرب، كيف للسكة الحديدية أن تتحمل مرور القطارات السريعة فوقها دونما شكوى..؟ و كيف لها أن تتعامل مع هجر القطارات لها بلا مواقيت؟
و الفضول يقتلني! كيف تشعر السّكة و القطار يجوب الدنيا جيئةً و ذهابًا، و هي لا تفعلُ شيئاً سوى إيصالِه، و هذا ليس من باب الرفاهية بالطبع، بل هو ما يتضمّنه عملُها بالإضافةِ للتوديعِ و الاستِقبال .!
كما أنّي اتساءلُ، كيفَ يكونُ شعورُها و هيَ تشهدُ الكثيرَ من المواقفِ المهيبةِ؛ مثلاً حينَ تختلطُ دعوات الأمهاتِ الصادقةِ مع دموعِ الحبيبات الحارّة، و نظراتُ المُشتاقينَ، ذهابُ فتاةٍ للجامِعة، عَودة جُنديٍّ من الحربِ، عجوزٌ ليس لديهِ من يستقبلُه، أو ربّما طفلٌ متسوّلٌ يتسلَلُ للقطارِ خفيةً لأنّه لا يملكُ ما يكفِي لشراءِ تذكرةٍ، تفاصيلٌ مِن الحزنِ و الفرحِ، تتَجَلّى فيها كلّ التناقضاتِ المُمكِنة..
اعتقدُ أن السكّة متقلبة الأمزجة على الدوام، تعيشُ مع كل موقفٍ بمشاعر مختلفة، تناسبه، بالرغمِ من أنّها قد تبدو بلا مشاعر..!
السّكك قوّية، و مستقيمة، و قد خُلِقت لتتحمّل، و هي تتحمل عن طيب خاطر، و تقوم بعملها على أكمل وجه، و هي تقنيّاً مرنة و ليّنة رغم ما تظهره من صلادة، فهي لا تلينُ إلّا عندما يقتربُ القِطار، و صِدقاً.. هي تُشبهك بطريقة ما..!

معلومات عن الكاتب

رُقيّة علاء الدين

اترك تعليقاً