بعدَ ثمانِ سنواتٍ و نيّف، ها أنَا ذي أقطعُ إقليمَ الصحراءِ و شبهِ الصحراءِ عبر أرضِنا السمراءِ، وصولاً إلى غطاءِ السّافنّا و الإستِوائية، أقفُ الآنَ على حافّةِ ما سمّوه حدُوداً.. أنظرُ إلى ملكال.. جوبا، واو، بحرنا؛ بحر الغزال.. أعالي النيل حيث ترعرعنا؛ أتذكر صديقَ طفولَتي مَنقو، الّذي كان موجودًا في جميعِ أفكارِي و أحْوالي، و تلكَ الموسِيقى المُهِيبة التي تعزِف.. منقو لا عاشَ منْ يفصِلنا! …. يفصلنا!

يعلم كلانا أن الكلمة مقترنةٌ بشرفِها.. وحدَه، و لا شرفَ لكلمةِ الإنفصالِ، حين تقطعُ ما أمرَتْ القلوبُ بوَصلِه”
أتَقْوى أيّ كلمةٍ أنْ تفرّق بين أمّ و وليدها؟ أخٍ و أخته؟ أتفرّقُ النيلَ عن أبناءِه، أو تحرِمُ غابةَ الأبنوسِ مِن رياحِ الشمال!
تقطعّت بنَا سبلُ الوصولِ، لكنّ وصالَ القلُوبِ لا زالَ حيًّا..
كَم يُسعِدُني أنّ بطنَ السودانِ حُبلى بأبناءٍ يعرفونَ بعضَهم أينَما الْتَقوا، تتَلاقى أرواحُهم على ضفافِ نيلٍ خالدٍ..
و قبلَ أنْ أُكمل حديثِي للضابِطِ على الحدودِ ، هتفَ بي صوتُ منقو، على بُعدِ خطواتٍ و سلِك شائكٍ :
– أيا أختي، كيف حالُ النخيلة في فناء داركم؟
• منقو صغيري، بل زرعناها في داركم القديم أتذكر؟ لكن أضحى لدينا ستٌ سامقاتٌ من الهشاب، سمراء تشبهنا.. و أشجار التاكا باتت سياجًا للمنزل، أنجبت أختي طفلةً وديعةً أسمتها ماريّا.. و هي تشبه تريزا كثيراً.
– اعذريني فقد دُمّر منزلنا القديم، و بالمناسبة تزوجت أمس تريزا بأحد أبناء عمي، على إيقاع الطمبور، و رشفات من قهوة هدندوية مُرّة، تمامًا كأيامي بدونك، مانديلا الصغير يرتاد المدرسة الآن، و سارة أصبحت آنسة جميلة، تذكرني بكِ دومًا.
• (في محاولة لعدم الرد على خبر دمار منزلنا المحبب)
كم هذا رائع.. يسرني أنّهم بخير، أبلغهم سلامي، و قُل لتريزا أنّي سأرعى خرافها إلى أن تعودوا أو نعود.. يوماً ما..
– (دُقّ جرس الكنيسة) يجب أن أذهب، أودعك الآن.. إلى لقاء آخر.
• حسناً.. صحبتك السلامة، كما آملُ أن يكون لقاؤنا القادم بدون حدود، و سلك شائك، و بندقية موجهة إلى صدري.. صلّ من أجل الأوطان و القلوب التي قُسّمت..
“الطيّب صالح محقٌ تمامًا، في جوفِ كلّ منّا جنوبٌ يحنّ إلى الشمالِ.. صغارٌ سمرٌ بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ، يلعبونَ تحتَ شمسٍ حارقةٍ يسْتظِلّونَ من حميّتِها بأشجارٍ حانيةٍ عريضةِ الأوراق، يتطلعون إلى آفاق أرجوانية، و عيشة هنيّة، سويًا.. و إلى الأبد” … كانَت هذِه آخرَ خاطِرةٍ قرأْتُها على منقو قبلَ الإنفصَال !
_________

معلومات عن الكاتب

رُقيّة علاء الدين

اترك تعليقاً