كنتي إقبال الحياه

كنتِ البداية التي لا اتوقعها. وكنتِ نهاية لا احسب نهايتها.
ثلاث سنين واربعون الف دقيقة راقب فيها وجهها. ما زالت أصداء ضحكتها تترد في صدره. كان مجرد عامل في شركة أمنيه موظفا لدى شركة أخرى. إعتادت أن تفاجئه بكوب شاي بالصباح وبضع ” زلابية ” حارة في كيس. كعربون شكر بسيط على سهره في حماية الشركة. كان شابا في نهايات الربيع الثامن والعشرين. عاملٌ بالكاد يستطيع ان يوفق بين ركشته والعمل الليلي. ما بين شهادته التي ألقاهها في الخزانه منذ أنِ استلمها ، بين مسؤليات العائلة. اصغر خمسة اخوة وأخوات. كانت لديه قناعة في داخله ، نتيجة تلك الزيجات التي رآها في منزله.
رأى شتى أنواع البرود ، القليل من الدلال والكثير من “يا إمرأه ، يا رجل ، يا أولاد تعالوا هنا. أكل شراب نوم ”
رأى عمرا ضائعاً بلا حب. كانت كل يوم تدخل الشركة أولا بصفتها المرسال الذي ينقل الرسائل المستعجله بين المكاتب، والمسؤولة عن الجدولة الخاص بالشركة.
كان ينتظر تنفس الصباح من طيات خمارها ، ويرى الليل نعسانًا على كتفها. كأن الليل يأتي فقط ليبيت ناظرا لعينيها. تحضر له شاي الصباح كما تحب هي وكما تعود أن يحب هو ، وتجلس معه صباحاً لتشرب هي أيضا معه الشاي. لم يتحدثا كثيرا في البداية. ولم تكن ملزمة هي بإحضار الشاي. ولم يكن هو ينظر لتلك المؤانسه إلا أنها بداعي الشفقة. وكسرت تلك الحاجز بجلوسها معه. لم يتحدثا البتة طوال إسبوع. ثم رويدا رويدا بدأت صخرتهما تنشق كاشفة عن ينبوع ماء. أدمن ضحكتها.
صار لا يشرب شاي الصباح إلا من يدها. ويرى شروق الشمس خلف نظاراتها الحادة الصغيرة.
ذات يومً وهي تقطع الطريق متوجهه نحو العمل، وهو يراها برداً على قلبه. يبتسم كالحمار الأهوج. وإذ يرى اجنحه الموت قادما في الاتجاه المعاكس. سيارة يقودها احد الشباب الجامحين. وهي تودع صديقتها وتنظر للخلف ، كان القدر اسرع من الصوت ، لقد أصبح كل شيء بطيئا. نبضة ، صوت ارتطام ، صرخة ، نظارة و”زلابيه” وكوبا شاي مكسورين ، شاب يبكي وهو يحملها ملئى بالدم. صديقتها تتجه بأسرع ما يمكن نحو المستشفى ، أضاء ضوء العنايه المركزة. أبوها أتى قادم يسعى والدمع ينهمر من عينيه ، يعبر المستشفى ولا يسمع الا صوت وداعها له وهو في سجادته يسبح ، يتذكر قبلتها لي “أدعو لي يا أبي ” ما زالت تتردد كأنها آذان فجر في صدره. وأمها خلفه تحمل عمة زوجها ، وتبكي على إثر ابنتها ، وتركض عبر الأروقة كأنها أم إسماعيل في الصفا والمروة.
الجميع وقوف عن البوابة ، وهو جالس على الارض ينتحب. يتذكر ضحكتها ، بسمتها . كل ذكرى جميلة تدجج الحزن عليه.
خرج الطبيب ، علامات وجهه خاطبتهم بلا حروف ، ضربتهم بلا صوت. “ستفقد الاحساس والحركه في أرجلها لمدة غير معروفة ”
يقال عندما تسمع بمصيبة من تحب ، تصبح الحياة باهته ، فكم من امٍ ماتت بعد ابنها ، وكم من زوج رقد طريح الفراش بعد زوجته ، وان مرضوا نمرض.
أحس بأن قدميه لا تحملانه ، أحس بين أهلها أنه غريب ، أحتضن حائطا بعيدا عنهم وأجهش بالبكاء ، يبكي كطفل صغير أضاع أمه. صوت مكتوم يجسد خوار الروح. عندما نحب ، نتصل بمن يحب روحيا.
أصبح يزورها يوميا قبل أن يأتي أهلها في موعد الزيارة، فهو من نفس الشركة التي يحرس موظفوها البوابات . يضع لها بعض الزهور. كانت تعاني من شلل مؤقت في الفم . لم تكن تستطيع الكلام. كانت تنظر إليه كمن يحمل لها مقدار من الصبر يوميا، بعض من الأمل والكثير من السعادة. يحكي لها عن يومه ، عن بؤسه من دونها. وتجيب عينيها بالكثير ، يقبل جبينها عندما يرحل. ولا يتلفت لكي لا يرى عينيها عندما تغرورق بالدموع. فهو وأن كان رجلا شديدا لا يقوى على رؤيتها بهذا الشكل.
ثلاث سنين. وها هي ذي تقطع ذات الشارع. بنفس “الزلابيه” ، تنظر إليه وهو يجلس في نفس مكانه. تنتظر. يأتيها راكضا لكي يمسك يدها ويقطع معها الشارع. تحتضن يده ، تتذكر عندما ذهب لبيتها أول جمعه خرجت فيها من المستشفى واستطلب يدها من ابيها ، رفض في البداية ولكنها كانت اقرب لابيها من قلبه واستجاب لترجياتها.
تحتضن يده بشدة ، فليس الحب مكالمات نصف الليل ، الحب هو الوقوف عندما يتركك الجميع.
الحب عندما تقف على شفا جرف هارٍ فيقيم تحتك جبلا ولا تسقط.
الحب هو المواقف.
تحضن يده. وتجلس معه صباحا ، تفتح كيس ” الزلابيه ” وتسكب كوبين شاي
“كنت أريد أن اسألك ”
“نعم ”
” ما جعلك تقف بجانبي ؟ ”
” ما انا بالرومنسي لكي أجعل إجابتي جميله ” وينظر للشارع ” لقد آتيتي بمعنى جديد لحياتي ، كنت أنتظر كل يوم لكي استصبح بوجهك وأمسي عليك ، رفضت وظائف بأسعار أغلى. فجوار عينيك كان اجمل. وعندما حصلت الحادثة. رأيت أنك تذهبين مني ، أجمل معاني حياتي والسبب الذي يجعلني أستمر بالابتسام. لم أرد ان اخسرك. كنت انتي كل شيء. وما زلت كل شيء ”
تضحك من اعماق قلبها، تنظر للدبلة المتواضعه التي تلبسها في يدها ، تتذكر وصية والدتها ” يا بنيتي الولد اتاكي انتي ، لا سمعتك ولا مالك ولا جاهك ولا حسبك ولا نسبك ، اتاكي لانكي انتي فلا تضيعيه ”
” يعني أنك لم تخش فقدان “الزلابيه” المجانيه يا كلب ” وضحكا.. وما زال الحب يعيش من أجل هؤلاء

معلومات عن الكاتب

الجبل

إنسان وغد وساخر ، متعدد الشخصيات بدون نفاق

اترك تعليقاً