ماذا أكتب؟
قد يعترض طريق الواحد منا وهو عائد إلى المنزل في منتصف يوم قائظ ومرهق، صبيٌ صغير يحمل قوارير الماء، ثم يبدأ معزوفة الإلحاح الطويلة التي لا تنقطع حتى تشتري منه، قد يشتري أحدهم، وقد ينهره آخر، ثم يمضي؛ أما الكاتب، فسواءً اشترى أم لا، فإنه سيعود ليكتب عنه، أو يحتفظ به شخصيةً لقصة قادمة، أو بطلا لرواية، سيكون قد حفظ ملامحه، ويتذكر بدقة أسماله وشعثه وحذاءه المثقوب، سيفكر فيه بين الحين والآخر ويعلق في ذهنه، وسواء كان أعطاه أم لم يفعل، سيعطي بعدها أي طفل يلاقيه، لأنه يذكره بالخالد في صفحاته للأبد.
قد تمضي أسابيع طويلة تربط الليل فيها بالنهار وأنت عاكف على عمل ما، بحث أو مشروع أو صفقة أو أي هدف معين، ثم يشحذ سوء الحظ الذي يرافقك كل حياتك قواه الخارقة ليفسد هذا العمل في لحظات، أو دقائق إن راعى فيها الحفاظ على صحتك العقلية وبقائها، فتجد نفسك بعد كل هذا فارغا من كل شيء وكأنك لم تبدأ بعد حتى، سيستاء أي إنسان طبيعي ويتراجع، لكن كاتبًا تناديه صلته بالقلم والورق، ينحني عندهما، ثم يأخذ القلم ليكتب بوجل خيبته وحزنه ومقته على حظه ومصادفات حياته العجيبة، وحينما ينفد مخزونه من الصور اليائسة والمفردات الحزينة، يجره القدر من جديد ليتوكأ على نفسه بأضعف جملة إيجابية قد يفكر بها، يقول: سأحاول أن أبدأ من جديد.
هاهو الآن، ابتكر عملا آخر أفضل من المفقود، وأكثر جودة ودقة، لقد تفادى أخطاءه الأولى وتعلم قوانين جديدة وطرق تفكير حديثة، عاد للجملة التي انتهى عندها وأكمل منتصرًا: لقد نجحت.
ربما تعجزُ أمام عينيّ حبيبة وتتسارع دقات قلبك عند كل كلمة تخاطبك بها، عندما تقف بجانبها للمرة الأولى، وتتساءل عن ذلك الانتماء الذي يخالجك الآن، كيف ومتى صارت موطنك الوحيد، وأمان خوفك ورُشد تيهك، وبعد لقاءٍ تُباهي به التاريخ، تعود لبيتك حالمًا لا تسع الفرحة قلبك، تريد أن تحتفظ بهذه المشاعر إلى الأبد، وبعد تخبط وفرحٍ صبيٍ لا يدري ما يفعل، ينتهي بك الامر إلى كتابة رسالة لها، تخبرها فيها بولائك وبقائك، وتعلم فيها الناس.. كيف يحبّون.
تبقى الكتابة حاسة سادسة ننصرف إليها عندما تزدحم بداخلنا المشاعر والأفكار ولا ندري أين نذهب بها، في كل مرة يزورك فيها العجز اكتب، ستشعر أنك تجري فعلًا ما من شأنه إشباع رغبتك بالإنجاز للحظة ما، لكن عليك أن تعي جيدًا، أنه لا صورة أشد إهانة للكتابة أكثر من أن تكتب ما لا تفعل، أو أن تملأ الدنيا بقصاصات أحلام ونبل ثم تفر سريعا حين يجيء أوان تنفيذها.
اكتب أيضا عندما تشعر بالفراغ، لا شيء يغري الأفكار لأن تتداعى بين يديك أكثر من رائحة القلم ورغبة الكتابة، لكن لاحظ أن الكتابة لا تُستجدى ولا تُستدعى ولا الحرف يمكن تملّقه، عليك أن تتقبل الحالة التي أنت عليها الآن وتكتب على إثرها، فلو كنت تائها لا تكتب عن الإرشاد وإيجاد الطريق، ولو كنت غافلًا لا تكتب عن الحكمة، ولو كنت فقيرا لا تكتب عن المال.. لا تكتب عما تفقده، ولا عما تنوي أن تصل إليه، اكتب عن أنك ما زلت في الطريق، أو أنك ما زلت تبحث عنه حتى الآن، اكتب عن نياتك وردود أفعالك التي تريدها أن تفرض نفسها على وعيك ولا وعيك، وتصرفاتك وقراراتك، اكتب لتصل إليك أنت، لشخصك الذي سينقذك عندما تكون في مأزق نفسي في المرة القادمة، لا تكتب طلبًا لمادةٍ أو لتقديرٍ أو لشعورٍ بالرضا، اكتب ما يعينك على سبر أغوارك وترتيب شتاتك، اكتب بواقعية، ولكن حلق فوق الأرض ببضع أمتار تبقي على شعورك بالأمل.

معلومات عن الكاتب

لينا السماني

كوب القهوة المسكوب، يلهمني أن أكتب، وملامح شريد نهره أحدهم، تعطيني جملة أو اثنتين، ولو أنها تنخر موضعا في قلبي إلا أنني أهرع لأن أكتبها، أنا طفلة تبيع الورد في مدارج العابرين، وتبحث في الوقت نفسه عن ظل أحدهم..

اترك تعليقاً