كيف أكتب؟
مثلما على الطبيب أن يدرس ألف باء الطب، وعلى المهندس أن يتعلم كل ما يبقي على عمله ثابتًا لا ينهار، وعلى المحامي والقاضي أن يحفظا القانون وثغراته، وعلى العازفة أن تقيس الأوتار وتصعد السلّم الموسيقيّ درجة درجة، كما أن الجّدة لم تقطف البندورة عبثًا، بل عن خبرةٍ تمدّ الماضي وتصله بالآن، تردد كلمات أغنيةٍ لم يغنها صاحبها بعشوائية بل بترّيث وعلم، على الكاتب أن يتعلم كيف يكتب.
عليه أن يُجري الحرف بانسيابية على الورق، فلا يجده القارئ طريقًا وعرةٍ مليئة بالأخطاء اللغوية والوصف غير المحدد والأفكار المبعثرة، لا أقول اكتب طريقًا مستقيما باهتًا بلا حياة، لأن الانحناء جمال في جذع الشجرة، والنتوء فيه والأخاديد الصّغيرة جمال أيضًا، لو أنها كانت ملساء مصقولة لما صارت شجرة بل مرآة، وذلك يبقي عليها متفردة، لذلك.. لك أن تلعبَ باللغة وتحتال عليها، فتأتي بالخبر قبل المبتدأ، وبالمفعول قبل الفاعل، وتستعير الحديث من الإنسان لتقدمه بلهفةٍ إلى البحر، السماء، الأرض، أو ظرف ضئيل منسيّ تحت الطاولة، تسمح حينًا للبنت أن تطير بأجنحة الفراش، أو أن ينحي القمر ليصير قلادةً هديةً من عاشق، أو يبكي الشيخ فتهز دموعه الأرض لتنبت، وبينما تسبح صورتها في ذهنك تداعب الرياح شعرها، كنِّ عن سواده بالليل، وعن نور وجهها بالنهار، وقلّ كيف لهما أن يلتقيان؛ المهم أن يخرج من بينِ يديك نص يُقرأ بعناية، بانصات تامٍ، وبخيال مأسور بين فواصل عباراتك لا يقدر أن يتحرر منها حتى تأذن نقطة النهاية بذلك، وكن كاتبًا قويّا، أقوى من أن تطلب الرموز التعبيرية لتقوم بمهمتك، أو أن تكرر الحرف ببلهٍ ظانًا أن ذلك أدعى لبعث مشاعر القارئ، ولتحقق كل ذلك، اقرأ في النحو والصرف وأساسياته، وتوقف عند همزات القطع واعبر بيسر عند الوصل، واقرأ عن التاء والنون وحروف العلة، اللغة كيان لا يمكن تجزئته، أو الاهتمام بفصل فيه دون الآخر، وتأكد، كلما اعتنيت باللغة الصحيحة، اعتنت هي بنصوصك، ومنحتها ألقًا لا تغفل عنه عينٌ أو ينفر منه قلب، ستصير وطنًا يرتاح فيه قراؤك، اللغة دائمًا هي الرّاعي الرسمي لنجاح الكاتب.. لا تنس ذلك.

معلومات عن الكاتب

لينا السماني

كوب القهوة المسكوب، يلهمني أن أكتب، وملامح شريد نهره أحدهم، تعطيني جملة أو اثنتين، ولو أنها تنخر موضعا في قلبي إلا أنني أهرع لأن أكتبها، أنا طفلة تبيع الورد في مدارج العابرين، وتبحث في الوقت نفسه عن ظل أحدهم..

اترك تعليقاً