مضت العجوز تلملم فراشها العطِر بعبق الماضي من ساحة البيت، وهي تمسكّ ظهرها تشكو ألمه، كان أكثر انحناءً وعتقًا من أي شيء آخر، إلا أن قلبها خفيفٌ ينبض كوقع المطر تماما، خيرًا وفألا وأمنا.. يرويها المطر فيربو فؤادها، وينهمر من جلبابها الآمن كوطنٍ منسيّ، ينهمر لآلئًا تعيد السرور، هرعت قبل أن تبتلّ.. وهي تضحك كطفلة، تضحك وحدها، لكن فؤادها لم يكن فارغًا.
إن الرعد صوت رحمة الله يضرب في سماء بيتها، ينير البرق عينيها فيسفر عن تغضّن ووهن.. لكنّ القمر منحهما كلّ بريقه.
إنها، صورة الصبور على الأرض، دلفت إلى حجرتها الصغيرة.. كأنها قطعة تراثيةً حفظت الأمس من أن يُنسى، ترابيةٌ صلدة كجبل.. مضمخةٌ ببخورٍ أزلي يقع على الروح بشعور مخمليّ يزيل عنها الروع، بستارةٍ حمراءَ قاتمة، وسجّاد رماديّ سابقًا، صار الآن معلّمًا بالبنيّ إشارة إلى صموده، كجذع شجرة، في الزاوية هناك قربَ النافذة.. كنزها الثمين، قِوام أملها وعودُ بقائها.. جزئي المفضل من كل نص أكتبه.. هناك، صندوقها الخشبيّ، الذي هو أكثر أصالة ورفعةً وحياةً من سكان الحيّ.
جلست عنده، كوثنيّ حائر، يبغي حولًا لأنه عرف مكان الله وسيمضي نحوه، إنها تعتذر.. عن رحيلهم عنها، وتركههم لها.. تقول: لعل البعد يشفي قلوبهم، ويبعث الرحمة فيهم، الجزء الطيب فيهم.. أنا أعي جيدًا أنهم… آه، أبنائي الأعزاء، أنا بخير.. لا تخافوا.
فتحته، بيدينِ كالغيم، يزين كل منهما تجعيدٌ وخاتم، كانا رغم البرد.. أكثر دفئا وحنوًّا من أي شيء دافئ وحنونٍ على هذه الأرض.
ثم أخرجت بهدوءٍ ثياب أطفالها تعيد بذلك عمرًا وقصصا وأرواحًا عذبة استحالت صوانًا لا يلين.. تشمّها فتسمع صوت بكائهم، تمسح عليها فتتذكر كم كانوا قطعًا من بدرٍ ناعم وهانئ، نعم.. كانوا أكثر هناءً ودعة..
أضاء البرق غرفتها وهي تمسك بالقلادة الذهبية التي ما زالت تحمل عطر أمها.. ما زال وقع أناملها عليها لامعًا مثل أثرٍ قدسيّ لا يزول.
بكت.. وحنّت، كثيرًا.. وتنهدّت أطول، وحيدةً تريد الماضي، لكن المطر يغني لها، حملت نفسها متوكأة على العمر القديم، تمددت على فراشها، صلت بعمق.. ثم نامت، ما زال المطر منهمرًا ودموعها كذلك.

معلومات عن الكاتب

لينا السماني

كوب القهوة المسكوب، يلهمني أن أكتب، وملامح شريد نهره أحدهم، تعطيني جملة أو اثنتين، ولو أنها تنخر موضعا في قلبي إلا أنني أهرع لأن أكتبها، أنا طفلة تبيع الورد في مدارج العابرين، وتبحث في الوقت نفسه عن ظل أحدهم..

اترك تعليقاً