يسمع النغمة المخصصة لها في هاتفه ، يقرر التجاهل لان مشكلة الامس مازالت عالقة في رأسه . و فوق هذا ذهبت لمنزل والدتها دون ان تقدم اي اعتذار .لا يريد ان يرد حتى لا ينفعل في وجهها فبالرغم من غضبه و لكن لا يريد ان يجرح مشاعرها بكلمة طائشة في لحظة غضب .
يحبها جدا و لكن الحياة لا تكون دون مشاكل و خلافات صغيرة ، فهي ما يسمى -بهارات الحب- .
قرر انه سيصالحها فور عودته . اخذ هاتفه و حجز لهما في مطعم و طلب باقة ورود و ارسلها للمنزل للتتفاجاء بها عند عودتها .
لم يعاود الاتصال بها حتى بعد ان هدأ قليلا  ، حتى لا ينزع المفاجاة .
انتهت استراحته بعد ان صلى الظهر ، عاد لمكتبه ؛ جلس في كرسيه و اسند رأسه للحائط ؛ ابتسم تلقائيا عندما تخيل وجهها سعيدا بباقة الورود .
ثم قال محادثا نفسه
-كيف استطعت ان اترك خلافا يستمر بيننا حتى اليوم التالي !
قطع حبل افكاره اتصال اخر منها .
-لن ارد حتى اعود الى المنزل ، اريد ان تسير خطتي كما رسمت .
و لكن تكرار الاتصال جعله يغير رأيه و بدأت الافكار تغدو و تروح في رأسه ، فربما عادت ووجدت باقة الورود ، ولكن لم يمض وقت طويل كيف وصلت بهذه السرعة .
او ربما نسيت مفتاحها عند والدتها …
– السلام عليكم
بصوت متحفظ
-و عليكم السلام ! محمد!
صعق حيث لم يكن صوت زوجته ، ولا صوت اخيها .
– من معي! من انت! انه هاتف زوجتي ، من انت و اين وجدته !
-البقية في حياتك! لقد حدث حادث قبل قليل و انقلبت سيارة -امجاد- و على اثرها توفي كل من فيها ، و لم ينج الا هذا الهاتف ! تعالي الى المشرحة للتعرف على الجثث
****
تنظر الى الساعة ، انها الثانية عشر تبدأ بسؤال نفسها هل اتصل به؟
حزينة هي جدا لما حدث بالامس  لاحتدام النقاش بينهم  ، و حزينة اكثر لانها تركته يذهب لعمله و هو غاضب .
كانت شاردة طوال اليوم ،و فجاة خطرت في بالها فكرة ،
ستعود للمنزل و تجهز له وجبته المفضلة و بعد الغداء ستعتذر منه .
-امي ، انا عائدة الى المنزل ، محمد مشغول اليوم و لن يستطيع ان يأتي ليعيدني – لم تخبر والدتها يوما عن اي مشكلة بينهم ، لانها تسامحه و تنسى ، و لكن امها لن تسامحه من حبها لها ، فكانت تغطي كثيرا على مشاكلهم و تحاول اظهاره باحسن صورة امام اهلها-
– في امان الله ، سأنادي منصور ليذهب معك حتى بداية الشارع ، و لاتنسي عرس ابنة خالك يوم الاربعاء ، تعالي مبكرا و ذكري محمد !
-حاضر يا امي
تقبل رأسها و تخرج …
كانت حرارة الشمس عالية جدا . مما جعل منثور يتأفأف كثيرا ، و ايضا لعلمه انه لا تأتي سيارات اجرة كثيرة في شارعهم . و بالرغم من كل هذا لم تشأ ان تتصل بمحمد ليأتي و يأخذها ،
اشرق وجه كل منهما ما ان رأيا سيارة قادمة نحوهم ، فهذه بمثابة المعجزة .
-امجاد !
لوحا له و كان يعبث بهاتفه ودعت ياسمين منصور .
عرف السائق اين وجهتها و عاد الى محاولات اتصاله مرة اخرى. و كان الانزعاج باديا جدا على وجهه …
****
هذا الوقت من الظهر هو الاكثر صعوبة في عملنا ، يجوب الشوارع بحثا عن لقمة حلال و لكن الناس كأنهم يخافون ان تأكلهم الشمس ، لا احد في الشوارع . كيف سأجني المال لاتزوج ! بدأ صبر والد خطيبتي بالنفاذ ، و كل يوم يتوعدني بفسخ الخطبة ان لم افعل شيئا .
لا اعلم لم يحمل قلبا قاسيا هكذا ، الحمدلله ان منار ليست مثله .
لا اعترض على قسمة الله و لكن من كان يدري ان بعد دراستي للهندسة و تفوقي ، يؤول بي الحال و انا سائق سيارة اجرة !
يرن الهاتف
-السلام عليهم
-عليكم السلام ، من المتصل!
-الم تعرفني ، انا معز ! لقد اشتقت اليك كثيراً ! كيف حالك . لقد عدت الى السودان مساء امس.
بعد السلام و السؤال عن الاحوال
-لك عندي مفاجأة ! عقد عمل ، انا صديقك و اعلم بظروفك و ما تعانيه . فقط علينا ان نلتقي لأخبرك تفاصيلاً اكثر عن ما ستفعله و ترتيبات السفر . و اتفقا على اللقاء بعد ساعتين .و اوصاه ان يحضر جواز سفره و شهاداته الجامعية و غيرها .
اغلق الخط و هو يتمتم بحمد الله كثيرا ،
لم يعلم ماذا يفعل في الساعتين فاكمل طريقه.
خطر بباله ان يخبر خطيبته – مؤمن جداً هو بأن الكتمان يساعد على قضاء الحوائج كما قال النبي عليه الصلاة و السلام – و لكن يريدها ان تشاركه فرحته .
اتصل كثيرا و لم ترد .
لمح من على البعد نقطة تفتيش و سيارته غير مرخصة ،
انزعج كثيراً ، عدم رد منار ؛ التفتيش ؛ نغصت تلك الامور البسيطة فرحته . تصرف بسرعة بديهة و دخل احدى الطرق الفرعية . بدا و كأنه طريق مهجور ، حاول الاتصال مجددا . حتى اوقفه شخصان ، شاب و امرأة .
علم الى اين الوجهة و عاد مرة اخرى لهاتفه . و هو منزعج جداً
****
*في المشرحة*
لم يتعرف محمد على الجثة لانها كانت قد تشوهت بالكامل . لم يستطع حبس دموعه ، فراح يبكي كطفل صغير ، يبكي حُب حياته ، صغيرته ، زوجته ، و امه بعد وفاة والدتها . كانت كل حياته بإختصار .
بكى ايضاً عندما تذكر انها ماتت دون ان يصالحها .
إنهار بالكامل عندما رأى امها و منصور قادمين باتجاهه .
لم يعلم كم من الوقت مر عليهم و هم في نفس الوضع .
..
لم يُسمح لمحمد اخذ الجثة لدفنها حتى يكتمل التحقيق في الحادث ، و احتدم النقاش بينهم لانه اراد اخذ جثتها فوراً و دفنها ،. فإكرام الميت دفنه .
و قاطع حديثهم هاتف محمد يتصل ؛ انه حسن جاره .
لم يكن له طاقة للرد و لكن تمتم في سره قائلا :-ربما يمكنه مساعدتي في اكمال الاجراءات نظرا لمكانته المرموقة.
-…
– حبيبي ، اين انت ، لقد تأخرت كثيراً انا في انتظارك منذ ساعات . لقد نسيت هاتفي في -الامجاد- التي اقلتي الى المنزل ، حاولت الاتصال بِك من هاتف المنزل و لكن يبدو ان الخدمة مقطوعة عنه . و عندما تأخرت؛ لم اجد سوى جارنا حسن لاعرف اين انت.
…..

معلومات عن الكاتب

تسنيم البرهان

اترك تعليقاً