#إني_راحل…
? لم اشارك اصدقائي من قبل تجربتي في كتابة القصة .. (إني راحل) كتبتها منذ سنوات .. واعدت صياغتها مرة اخري مستصحبا معي الكثير من التغيرات التي حدثت وطرأت علي مجتمعاتنا ..
…….
?إني راحل
بقلم :خالد محمد باعو
… الإهداء

الي ذلك الكائن المتناقض .. الممتلئ بالنور والظلمة.. الي الذي يمكن ان يكون بشرا .. او شرا .. إليك إيها (الانسان)..
(1)
سيدي العزيز …
أكتب اليك وأنا علي أعتاب مغادرة عالمكم المتعفن هذا .. أكتب إليك ولا أدري لماذا اخترتك دون غيرك من البشر لاحكي لك قصتي ولكن هذا لايهم الان .. فكل ماأستطيع قوله هو أنني لم أعد استطيع العيش بينكم في عالم قذر ممتلئ بالخداع والغش والكراهية والانانية وحب السيطرة ..
سيدي العزيز .. لاتستغرب من كلامي هذا فكثيرون يتمنون إلا يعيشوا في هذا العالم .. وفي هذه المجتمعات التي اضحت كالمستنقعات بل وأقذر .. كثيرون يتمنون أن يرحلوا كما ساأفعل أنا ولكن يكبلهم الخوف … لن اطيل عليك بالكلام عن واقع كلنا نعيشه ، ويعرفه ، ولكن ندفن رؤوسنا في الرمال ، ونخشي أن نعترف به فنوصم بالجرم والدناءة والحقارة ، نغض ابصارنا ونغلق أعين بصيرتنا ونستمر في غرز رؤوسنا في الرمال وتمضي الحياة .. ولاشئ سوي مزيدا من القذارة ومزيدا من الرمال .. فسكوتنا عن الحق وضرب الظلم هو من جعل منا وحوشا وفرائس .. طغاة وعبيد .. إستكانتنا ورضوخنا وخوفنا من الاخذ بيد الظالم هي من صنعت الجبابرة والشياطين المتحكمين في مصائرنا .. فخفنا وصنع خوفنا طغاتنا واستللنا من داخلنا ذلك الشيطان ..فكأن خوفنا وطمعنا وانانيتنا هي القشة التي قصمت ظهر البعير ..والأن سيدي العزيز الي القشة… أقصد الي القصة .
أنا سيدي العزيز مثلي ومثل كثير من الناس في هذا المجتمع ولكن اشعر بأنني اقلهم نصيبا فقد ولدت تحت خط الفقر في بيت يشكو من قلة الفئران ، وتتكدس علي اركأنه خيوط العنكبوت ، لترسم البؤس علي جدران بيت احاط به الفقر من كل جانب ولتكتمل الصورة وتوضح المأساة اضيف بأنني فقدت الاب منذ الصغر ، فلم اعرف عنه شيئا الامن خلال كلام امي واخباري بأنه فارق هذا العالم بالموت فقد كان وحيدا لا اهل له وذهب وحيدا .. وعندما كبرت قليلا سمعت الناس يتهامسون بأنني ابن من هرب من زوجته تاركا لها متخليا عن مسؤلياته ، والناس في مجتمعنا يتهامسون بمايعرفون وبما لايعرفون فتتبع عورات الناس والكلام عنهم ومحاولة فضح اسرارهم صار عادة غرق فيها مجتمعنا بكل فئاته .. وقلما تجد من لايمارس هذه العادة ولكن دعنا من هذا ، فلست بصدد الحديث عن العادات التي طرأت علي مجتمعنا الذي يدعي التدين كلاما ولايمارسه بالافعال .. التي تكاد تكون ابعد عن التدين او الدين ، فكما قلت نشأة بدون وجود أب الي جانبي وحتي هذه اللحظة لم أعرف هل مات كما تدعي امي أم هرب كما يتهامس الناس .. لم اعرف ولاحقا لم اعد أهتم ..
وكمايحدث في الافلام والمسلسلات تزوجتي امي من رجل لتحتمي بظله من عواصف الزمن ، وكماهي الحال لمن هم في مثل حالتي لم أنل نصيبي من التعليم كاملا وأخذت قهرا لاعمل مع زوج امي ، واستمرت بنا الحياة نرزح تحت ظل الفقر والعوز والحاجة كبرت قليلا وكبرت اختي .. فقد رزقت امي ببنت من زوجها الذي كان اقل مايوصف به هو سوء الخلق فقد كان يأتي كل منكر .. ويفعل كل شر ، وظللت علي تلك الحال حتي جاء اليوم الذي غير حياتي الي الأبد ! ماذا حدث ؟ لاتستعجل سيدي العزيز فماكتبت إليك إلا لأخبرك …..

… (2)
لاتستعجل سيدي العزيز فماكتبت إليك إلا لاخبرك ..
فقد جمعت بيننا علاقة لاأزعم أنها وطيدة ولكنها كافية لأن أعرفك من غير أن تربط بيننا صلة قوية او صداقة دائمة ، ولقد عرفتني إنسانا ضحوكا مرحا متشبثا بالحياة ولكني أقولها لك الأن لقد فقدت القدرة علي الحياة وفقدت القدرة علي التفاعل معها وكيف لا وقد إجتمعت علي نوازل الدهر وتسلطت علي سخرية القدر وفوق هذا كله سيطرت علي طبائع الانسان ، وماأظلم الانسان لنفسه ولمن حوله حين يسيطر ويتمكن ، لاتندهش من كلامي ولاتستعجل فانت لا تعرف عني شيئا غير ضحكي ولهوي واقبالي علي الحياة .. ومن أين لك أن تعرف ؟ عن معاناتي واحزاني وألمي وأنا الضحوك السن ، الدائم المرح ، ولكني اقول لك لقد كان ضحكا زائفا ، ومرحا مصطنعا .
هنالك جملة مشهورة تنص علي أن لكل شئ نهاية .. وقد حانت نهاية ضحكي ومرحي وحان معها موعد نهايتي .. نهايتي أنا ..
سيدي العزيز لقد احتملت كثيرا حتي ثقل الحمل علي كاهلي ، ولم اعد استطيع تحمل المزيد فهذا يكفي .. يكفيني ماتحملته من الالام والشرور ، ويكفيني مافعلته في دنيتي هذه لهذا أنا راحل ، ماكتبت إليك لاسوق مبررات رحيلي فيكفي أن اقول أنني ماعدت أطيق النظر في وجوه كانت سببا في معاناتي وأورثتني الحسرة والألم ، راحل لأني ماعدت أطيق ظلم الانسان لاخيه الانسان ، راحل لأن مجتمعي الذي أعيش فيه تملكته الانانية وحب الذات وتغلب عليه الجشع والطمع واصبحت فيه الرذيلة فضيلة تمارس دون حياء أو خجل ..
راحل لأني فقدت القدرة علي الخداع والنفاق فقدت القدرة علي أن اكون بشرا وياليتني ماكنت ..
معذرة سيدي العزيز ، أن بدأت في كتابة القصة .. قصة رحيلي ثم عرجت اكتب ماتجيش به نفسي ، فلا تغضب ولاتكن عجولا فامامك متسع من الوقت لتقرأ ، وامامي متسع من الوقت لأخبرك بأنني لست نادما علي رحيلي اطلاقا .. لست نادما علي مغادرة هذا العالم القذر الذي طغت عليه شرزمة من الأبالسة يضيقون ويسيطرون علي من هم مثلك ، يدعون الرقة والمسكنة يسمون انفسهم بشرا وهم شرا مستطيرا .. فخذها نصيحة مني ولا تأمن جانب البشر ولاتضع ثقتك فيهم، سيدي العزيز لو صادقت الشياطين لكانوا خيرا من البشر والعياذ بالله فقد اصبح البشر هم الشر بعينه …
لاتقل إني متحامل علي الجنس البشري ولايخطر ببالك هذا الخاطر .. فانا لست كذلك لست متحاملا ولكنها الحقيقة صحيح أن هناك من هم مثلك في نقاء السريرة وطهارة النفس يعيشون في حالهم ويقنعون بما اتاهم الله من فضله بل أنا ايضا كنت مثلك عندما كنت لا اساوي شيئا ولا أملك سلطة ، وهنالك من هم مثلي الان بعدما اصبحت علي ما أنا عليه
اود أن أسألك ليس تقليلا من شأنك فلو كنت قليل الشأن لما كتبت اليك ولكن سؤال لتعلم كيف اصبح الحال الان قل لي ياسيدي العزيز ماهي سلطتك ؟ وكم تبلغ ثروتك ؟اخبرك من أنت ، هذا هو المقياس الان .. وهذا بالضبط ماسعيت لامتلاكه .. لذا دعني اروي لك القصة قبل ذهابي القصة التي حين تقرأها سأكون قد رحلت عن هذا العفن المتراكم وارجو أن يتغمدني ربي برحمته فهو رجائي الوحيد في العالم الذي أنا ذاهب إليه ، والأن لنعد الي القصة ، أين كنا ؟
اها نعم ، وقفنا عند ذلك اليوم الذي غير مجري حياتي للأبد كان يوما كأي يوم من سنوات عمري الثلاثة عشر المتشحة بالبؤس الغارقة في الفقر ، قمت متكاسلا لاداء صلاة الفجر فقد كانت الصلاة هي الشئ الوحيد الذي احس معه بالاطمنان للغد وبعد الصلاة استعد للذهاب الي العمل في ورشة زوج امي بعد ان نشرب الشاي كماجرت العادة ، كنا نعمل منذ الصباح وحتي مغيب الشمس فااعود الي البيت مرهقا متعبا ويذهب زوج امي ليقابل اصدقاء السوء من شاكلته فيسهرون ويشربون و.. يأتون كل منكر .. ولكن في هذا اليوم شعرت بالمرض يغزو جسمي المرهق الذي إرتفعت حرارته ويكاد الصداع يعصف برأسي فتركت العمل وعدت الي البيت قبل إنتصاف النهار لانال قسطا من الراحة وياليتني ماعدت! فقد كان مارأيته يفوق الاحتمال .. والكارثة فوق الوصف ساأختصر عليك الامر ، لقد كانت تخون زوجها .. نعم لم تخطئ في قراءة الكلمة ، كانت التي تخون زوجها هي أمي ..
لاتندهش سيدي العزيز .. كمااندهشت انا .. هالني مارأيت ولك سيدي ان تصف ماجأش بداخلي من مشاعر في تلك اللحظة بركان من الغضب الانكسار المهانة الألم الحزن مشاعر مختلطة ،لاتندهش فكما قلت لك اصبحنا في مجتمع لايراعي التقاليد ولايعرف الاخلاق فكثير منا ينتظر خروج جاره ليدخل الي بيته فيعيث فيه فسادا فهذه حقيقة لانستطيع ان ننكرها وافعال تمارس في مجتمع اصبح لايكترث لشئ وماخفي خلف الابواب اعظم وادهي ، وتمحورت افكارنا المتبلدة حول السلطة .. الثروة .. الجنس
لم ادري ماذا افعل أو ماذا اقول ، لم اشعر بنفسي إلا وقدماي تسابق الريح ركضت ، نعم ركضت لاهث الانفاس متقطعها لااري امامي من الدموع التي حجبت الرؤية لا ادري الي اين اتجه فقد كنت اهرب من كابوس حل بحياتي وعار التصق بي ركضت حتي أعياني التعب وعجزت عن الوقوف والحركة فارتميت مسندا ظهري لجدار وانا جالس علي الارض يعتصر الألم قلبي واخذت احدق ببلاهة وصراع يدور في عقلي يرفض تصديق مارأيت لماذا يحدث هذا ؟ لم ينتزعني من صراعي الداخلي الا صوت الاذان ينادي الله أكبر .. فقد كان الجدار لمسجد .. وكان النداء لصلاة الظهر ..

(3)

أديت صلاة الظهر بقلب ساه وفكر شارد ، أطلت أمامي صورة غير واضحة المعالم جاهدت نفسي علي أن أري فيها صورة أبي الذي لم اره من قبل ، لاادري لماذا طافت ذكراه بخاطري ولكني تيقنت من أنه لم يمت .. الأن فقط عرفت لما كان يتهامس الناس لقد هرب بعد أن ارتكب في حقي أفظع ذنبين
الأول عندما وضعني في رحمها لا استطيع أن ادعوها أمي ، ماذا جني غير تلك اللذة القصيرة ، ماذا استفاد؟ لاشئ سوي أنه أتي بقذر جديد الي هذا العالم ، هل أخبروه أن عدد القذرين قد نقص فأتي بي ليسد هذا النقص ، اه لو كانت لي حيلة في خلقي اذا لما خلقت ابدا ، ولو سألني عن رأيي في أن اكون موجودا لاخترت الا اكون .. ولكن ماذا افعل سيدي العزيز فقد كان الامر خارج نطاق سيطرتي فأتيت رغما عني
أما الذنب الثاني فهو رحيله وتركه اياي لوحدي اواجه هذه المصائب وهذا الواقع المؤلم .. والمصير المظلم .
خرجت من المسجد أسير بلا هدي لا ادري الي أين أذهب ، وقد عقدت العزم علي أنني لن اعود الي ذلك المنزل مرة أخري
وخرجت من المدينة وبدأت رحلة الضياع والتشرد سنة كاملة قضيتها بين الارصفة والتنقل من مهنة إلي أخري ، مهن هامشية لايكاد اجرها يسمن ولايغني من جوع ، وبينما انا اسير في أحد الايام التي تشابهت علي كما تشابه البقر علي بنو إسرائيل هائما علي الطرقات التي حفظتها لكثرة تنقلي وتقلبي بين ارصفتها اذا بي اجد شيئا منتفخا ملقي علي الارض ، ماهذا؟ إنها محفظة .. ياللحظ إنها مكتنزة بالنقود ، يالفرحتي اخيرا يمكنني عيش يومين حلوين كما يقال ، المبلغ كبير وهناك بعض العملات الاجنبية .. وابتسم الحظ
– توقف أيها اللص ..
مهلا ماهذا ؟ من يناديني ويصفني باللص .. أنا لست لصا ..
– بل لص
– لا لست لصا ومن أنت حتي تتهمني ..من أنت
– أنا ضابط شرطة .. ، ارتعدت وارتجفت
– لا تخف ، أنا ضابط الشرطة الذي بداخلك
– ضابط شرطة وبداخلي .. كيف هذا
– نعم .. أنا من تسمونه بالضمير أضبط تصرفاتكم وافعالكم واقيدها وفق الاخلاق والتقاليد والدين
– ولكني لست لصا فأنا لم اسرقها بل وجدتها علي قارعة الطريق
– وما اللص ؟ قل لي من هو اللص بنظرك هل هو من يسرق فقط .. اليس اللص من يأخذ مالايملك ، سواء بالسرقة او بغيرها .. هذه المحفظة ليست لك فلماذا تأخذ مالاتملك اذا لم تكن لصا ..
– حسنا ايها الضمير ما العمل الان ؟
– يجب ان تعيدها لصاحبها ، انا ساذهب ولكن تذكر أنني سارأقبك حتي لاتخطئ ..
كان هذا هو الحوار الذي دار بيني وبين ضميري الحي او الذي كان حيا في ذلك الوقت قبل ان اقتله .. نعم أنا قاتل لاتندهش وترسم هذه النظرة الغبية ولا تستعجل فهاانا احكي لك ..
وكما قتلت ضميري لاحقا فقد علمت ايضا فيما بعد ياسيدي العزيز ان اللص الذي يسرق لحوجة او لفقر هو أشرف انواع اللصوص فقد اكتشفت ان هناك لصوصا تسرق لتذل غيرها ويكون طوع امرها .. لصوصا تسرق اوطان بكاملها .. ولصوصا تسرق ديننا واخرون يسرقون اعمارنا بتسخيرهم لنا في خدمتهم وقتلهم لنا في سبيل بقائهم والاحتفاظ بسلطانهم هؤلاء هم أقذر اللصوص سرقوا ليشبعوا طمعا ويسكتوا جشعا سرقونا بأسم الله والله برئ منهم ..
آسف سيدي العزيز فقد انجرفت مرة اخري وراء ماتجيش به نفسي والان لنعد الي القصة
اخذت أفتش في المحفظة عن شئ يدلني علي صاحبها وقد عزمت علي أن اردها الي صاحبها مهما كلف الامر وبالرغم من منازعة نفسي الا ان مايدعونه بالضمير قام بردعها علي اكمل وجه ، ماهذا ؟ انها بطاقة لرجل في اواخر الخمسينات من عمره ، يدعي (…….) وبطاقة بيزنس كارد عليها أسمه ومن فوقه اسم شركة تجارية ، وتحت الاسم صفة مدير عام وعنوان الشركة …
نعم .. هذا مافعلته بالضبط ذهبت الي الشركة
وقفت امام مبني جميل في احد الاحياء الراقية خطت علي واجهته لافته تحمل اسم الشركة بحروف عربية وانجليزية أنيقة ، نعم هذا هو المكان وبعد تردد دلفت الي داخل الشركة بخطوات متعثرة وانا اطالع النظرات التي ترمقني بدهشة فقد كانت هيئتي وسني لاتتناسبان والمكان الذي اخطو بداخله وجلا ..
لو سمحت اريد مقابلة السيد(…….) هذا ماتكلمت به امام موظف الاستقبال الذي رمقني بنظرة ملؤها الشك ويهو يقول ومن أنت ؟ وبخصوص ماذا تريد أن تقابله
اخبرته عن اسمي اما الموضوع فبخصوص شئ فقده وانا هنا لاإعادته اليه رمقني بذات النظرة وهو يطلب مني ان اعطيه هذا الشئ وسيقوم هو بتسليمه فرفضت بأدب ورأيته يشير لشخص ما وعندها رأيت احد رجال الامن الخاص بالشركة يتجه ناحيتي فتوجس قلبي خيفة وتراجعت الي الوراء ثم اطلق ساقاي للرياح هاربا خارج المبني ورجل الامن يطاردني ولكنه لم يفلح في اللحاق بي …
اها .. الان أظن أنه من حقي الاحتفاظ بهذا المال ، رزق ساقه الله الي …
ومن قال لك أنه اصبح من حقك ..
تبا لهذا الضمير يأتي دوما في اللحظة غير المناسبة
– ياضميري العزيز لقد فعلت كل مابوسعي لاعيد هذه المحفظة
لصاحبها ورأيت ماحدث طاردوني كأنني لص ..
– لا لم تقم بما يتوجب عليك فعله يجب ان تعيد المحفظة و.. قاطعته صائحا قبل ان يعطيني محاضرة حسنا ..حسنا سأفعل
فقط اتركني افكر كيف سأفعل هذا .. نعم سأنتظر بالقرب من الشركة حتي اذا خرج ذهبت اليه لارد له محفظته تمعنت في صورته وظللت مرابضا انتظر خروجه .. وبعد ساعتين رأيته خارجا من بوابة الشركة فركضت نحوه مناديا بأسمه استاذ(…) استاذ (…..) التفت إلي وهو يهم بركوب سيارته وبدت علي ملامحه الدهشة وهو يراني اركض نحوه
– نعم يابني ما الأمر
– اجبته بصوت لاهث معذرة يا أستاذ ولكن لدي شئ يخصك واتيت لكي اعيده اليك ..
عقد حاجبيه مفكرا ثم تهلل وجهه عندما رأني امد يدي بالمحفظة خاصته واسرعت يده تلتقطها وفتحها بسرعة متفحصا ثم عاد ينظر إلي والدهشة تملاء وجهه عندما وجد محتوياتها كاملة .
إنه نفس مايدور بخاطرك نعم .. كيف لمشرد وجد هذا القدر من المال أن يتكبد المشاق لإعادته فنظرت اليه وانا اتمتم لقد وجدتها ملقاة علي الطريق .. و…
قاطعني صوته وهو يقول: لماذا ارجعتها ؟ قالها وعيناه تتفحصاني فعلمت ماذا يدور برأسه أجبت ببساطة:
لانها ليست لي .
مد الرجل يده الي ببعض المال وهو يتمتم بعبارات الشكر فرفضت شاكرا فاصر فرفضت بقوة واستدرت لاغادر فاامسكني وهو يطلب مني ان يوصلني في طريقه رفضت ولكنه اصر وطلب من الصعود الي السيارة وهو يرمقني بنظرات الاعجاب والاكبار فرضخت تحت اصراره وركبت معه ولم أكن اعلم أن القدر يخطط لي لقصة أخري وبداية جديدة .

(4)
..
كما أخبرتك فقد كان القدر يرسم لي تفاصيل قصة جديدة وبداية جديدة …
أصر الرجل علي دعوتي لتنأول الطعام معه في بيته خاصة بعدما علم أنه لايوجد مكان محدد اتجه اليه وأصر أكثر عندما علم قصتي التي رويتها له مع اخفاء بعض التفاصيل من خلال تجاذب اطراف الحديث لم اخبره عن امي ومافعلته بل اكتفيت بادعأئي اليتم اصلا وفرعا وحيد اواجه هذه الحياة ..
..
وصلنا الي وجهتنا ، منزل جميل بأحد الأحياء الراقيه وسرعان مادلفنا الي الداخل وأنا اسير بخطوات مرتبكة اجول ببصري في أرجاء المنزل فقد كان فخما بحق ، ولم ينتزعني من تأملاتي الا صوت السيد (…..) وهو يخبر زوجته عني وكيف اعدت له محفظته التي فقدها ويخبرها بحماس عن أمانتي ويطلب منها أن ترحب بي ، طالعتني إمراة في بداية الخمسينات من العمر بشوشة الوجه متهللت الاسارير جاءني صوتها دافئا مرحبا بي تشع عيناها بالحنان والعطف تكاد الطيبة تقفز من وجهها ..
هناك اناس منذ أن تلتقيهم يحتلون بداخلك مساحة لاتدري لما احببتهم او لما ساورك الشعور بالارتياح بمجرد ان تلتقيهم لابد ان ذلك يحدث لتجاذب روحي كما فسر ذلك ابن القيم عندما قال ( الارواح جنود مجندة ماتعارف منها إئتلف وماتنافر منها اختلف ) نعم هذا اجمل تفسير وكانت هذه المرة من الصنف الذي تألفه الروح …
اثناء تناول الطعام طلب مني السيد (…) أن اقوم بمساعدة زوجته في شراء حاجيات المنزل بعد ان علم أنه ليس لدي عمل ثابت ، واخبرني بأنها لاتحب الخدم وتقوم بكل اعباء المنزل بنفسها ورحبت هي بالفكرة واتفقنا علي أن امر عليها ثلاثة ايام في الاسبوع لمساعدتها مقابل مبلغ من المال اصلح به شأني ….
فكانت بداية جديدة لعمل أكسب منه مبلغا محترما من المال ، وسرعان ماتوطدت علاقتي بالسيدة (….) فقد كانت إمراة أقل ماتوصف به أنها ملاك ونشأ رابط غريب بيني وبينها واصبحت أتي إليها كل يوم اقوم بخدمتها والجلوس معها ، وأصبحت هي تكن لي عاطفة الأمومة التي حرمت منها فقد علمت انها لم تنجب ، واستمريت علي هذا الحال حتي جاء اليوم الذي صرحت فيه لزوجها برغبتها في أن تتبناني واصبح إبنا لهما خاصة وأنهما لم ينجبا ولا أمل في ذلك لبلوغها من الكبر عتيا ،فرحب بالفكرة بل وتحمس لها فقد كان معجبا بي وبأخلاقي .
وتم الامر ، اصبحت ابنا لهما وابدلني الله عائلتي بعائلة كريمة لن استطيع ان اصف مقدار سعادتي وانا اري الدنيا تفتح لي ذراعيها من جديد وقد اصبحت ابنا لرجل اتاه الله المال وحرم من البنون . لم يدخر الرجل ولا زوجته جهدا لاسعادي وتم ادخالي الي المدرسة لاكمل تعليمي فكنت متفوقا نهما للتعلم كنت كمن يعوض سنوات حرمانه من التعليم وعشت بين عطف الاب وحنان الام التي سهرت علي راحتي احلي سنوات عمري واجملها فرحا بأبي سعيدا بأمي التي كانت لي خير سند ،ومرت الايام وكانت الفرحة الكبري لدي تخرجي من الجامعة متفوقا بدرجة الامتياز من قسم ادارة الاعمال ..
وتم تعييني في شركة أبي فأتقنت العمل علي يديه واخذت من خبرته في الادارة والحسابات حتي اظهرت نبوغا وتفردا ، وكانت الحياة تمضي هادئة وجميلة ولكن …
ااااه من لكن هذه سيدي العزيز هذه الكلمة ذات الثلاثة احرف قادرة علي ان تبعثر كيانك ..لكن كان القدر يرتب لي شئ اخر لم اتصوره او يخطر علي بالي مطلقا ..
وبدأ ذلك عندما إمتدت يد المنون لتخطف المرأة التي كان لها الاثر الاكبر في حياتي المراة التي علمتني كيف يجب ان تكون الام رغم انها لم تنجبني المرأة التي تعلقت بها لدرجة تفوق الخيال لماذا لم يأخذني الموت بدلا عنها ..؟ لماذا رحلت وتركتني ؟ رحلت مخلفة وراءها قدرا كبيرا من الحزن وكم هائل من اللوعة والألم ، واحاطت الكآبة بالبيت الذي كان يضج بالسعادة واخذ كل من أبي وانا في مواساة احدنا للاخر .. فقد كان المصاب جلل والفاجعة اليمة .
مر عام كامل من الحزن ، ولم اكد افيق من صدمة رحيل أمي حتي فاجأني ابي برحيله هو الاخر اذ لم يحتمل ابتعادها عنه فلحق بها تاركا اياي لموجة اخري من الحزن والألم ، عندها احسست باني قد صرت يتيما بحق .. شعرت بالوحدة في هذا العالم والحزن يضرب عميقا بجذوره داخل قلبي .
لا استطيع ان احدثك عن دوامة الحزن التي كانت تلفني فما كتبت اليك لاشكو بثي وحزني ، فحزني يخصني وحدي ، تحملته وحدي وسارحل به مقيما في دواخلي ..ولكن إليك تفاصيل ماحدث بعد ذلك لتعلم كيف أن الحسد والطمع والجشع والظلم إنما هي طبائع متأصلة في النفس البشرية ، وان الانسان ليس سوي شيطان مصغر إن ترك له الحبل علي القارب طغي وتجبر واستعلي وتكبر .. الم يقل فرعون أنا ربكم الاعلي عندما لم يجد من يردعه .. ذلك هو الانسان يتفرعن اذا سنحت له الفرصة ..
فبعد ان مات والداي وتركت مقهورا ، عار بلا القاب ، ولا اصحاب ، اصبح الوريث الوحيد لهذه الثروة هو السيد (…) ابن اخ المرحوم والدي بالتبني ، ولانني لم اكن ابنا الا بالتبني فلم يكن لي نصيب من هذه التركة ،ولم يمهل الموت ابي ان يكتب لي شيئا او يوصي لي بنصيب من هذه الورثة فأنتقلت كل الثروة لابن اخيه الوحيد الذي كان يبغضني لا لشئ الا لتفوقي عليه في الدراسة فقد كنا دفعة واحدة مات ابوه ونحن في الجامعة وداخله الحسد عندما راي تدليل عمه وزوجته لي ورعايتهم الكريمة فااسرها في نفسه ، ولم تمضي علي وفاة عمه والدي بالتبني ثلاثة ايام حتي إستدعاني لمكتبه في الشركة التي صارت من ضمن ممتلكاته ليخبرني بكل شماتة ووقاحة أن اجد لي مكانا أنتقل اليه فقد قام ببيع المنزل الذي كنت اسكن فيه مع عمه وزوجته .. يالقسوة هذه الدنيا ما الذي يدعوه ليتصرف هكذا ؟ اخذت انظر اليه بدهشة فمد يده الي فاذا هو شيك ثم اردف قائلا: هذه مكافأة نهاية الخدمة فمنذ اليوم لم تعد تعمل بهذه الشركة ، حملت لهجته نبرة التشفي وانا الجمتني الدهشة ! لم اخطئ في شئ وبالتأكيد لم اكن لانازعه في ثروته التي ورثها فهو صاحب الحق الشرعي فسألته بصوت مبحوح من اثر المفاجأة ان كنت قد أخطأت في شئ فاجأب بصلف وغرور: لا لم تخطئ .. ولكن هذا مااريده انا .
اااااه من لكن هذه الم اخبرك بانها قادرة علي ان تبعثرك بل وربما تحطمك .. وعندها علمت ان الحسد والغيرة التي كانت تأكل قلبه هي مادفعته لطردي انتقاما وتنكيلا ، مااقسي ظلم الانسان لاخيه ، يقع البشر في خطيئة الظلم الذي جعله الله تعالي محرما علي نفسه (ياعبادي اني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلاتظالموا).. الم تكن لنا قلوبا تفقه واذان تسمع وعقولا تدرك ..نرتكب الظلم ولانشعر بفداحته فالظالم لايشعر بثقل ظلمه ولكن يتألم المظلوم فالظلم ثقيل علي نفس من يقع عليه .. وقد كنت اتألم .
تقبلت الامر علي مضض فلم يكن لي حول ولا قوة ، وجدت عملا .. محاسب في احدي الشركات الصغري واستأجرت منزلا صغيرا وكان إحساسي بالظلم يخنقني فعلمت ان الدنيا تركل كل من كان بمثل طيبتي ومبادئي علي قفاه حتي ينكب علي وجهه فلاتقوم له قائمة ، وتفتح ذراعيها لمن كان بلا مبادئ أو اخلاق ، وقررت الا اكون مركولا فيمن ركلتهم الدنيا ومنذ تلك اللحظة تغيرت تماما .
كنت بارعا في عملي وكنت لبراعتي في الحسابات استطيع ان اخفي اي قدر من المال فقمت بعدة اختلاسات ، وكنت اقوم بتزوير حسابات الشركات حتي يتهربوا من الضرائب وانتقلت لوظيفة حكومية مرموقة وبالطبع لم اكن اول من يعتدي علي المال العام وبالتأكيد لن اكون الاخير ، فقد علمت من خلال خبرتي وتجاربي ان الحكومة لا تكون حكومة الا بفسادها في المال العام فالسلطة تغطي علي لصوص يتزيون باازياء انيقة ويتبؤون مناصب محترمة هذه هي الحكومة .
بدأت اوطد علاقاتي مع رجال السلطة الذين كانوا هم انفسهم رجال المال والاعمال جمعوا مابين السلطة والثروة فعظمت شوكتهم فكنت ادير لهم عملياتهم المشبوهة ومع كل عملية كنت ارتفع درجة في عالم البشر او بالاصح عالم الابالسة ، كان عالما غريبا لاتحده قيود ولايحكمه قانون الا قانون الغاب شريعة الغاب هي التي تحكم …
أصبح لي الان اعمالي الخاصة التي إديرها وسارت شهرتي تسبقني ومع مرور السنوات اصبحت اخطبوطا مرعبا يخشاه كل من كان له علاقة بدنيا المال ..لعلك تستغرب هذا التحول السريع ولكن دعني اوضح ، احساس الغبن وتولد الكراهية اتجاه مجتمع تملكته الانانية وحب الذات وسيطرت عليه الشهوات اضافة للظلم كل هذه عوامل قد تدفع بك الي ولوج عالم الشياطين خاصة اذا اعانتها هذه النفس اللوامة فهي من اخطر جنود الشيطان واخلص اعوانه فقد زينت لي هذه النفس انه من كان مثلي لم يكن ليستطيع العيش في مثل هذا المجتمع فالدنيا صراع قاتل او مقتول هكذا سولت لي نفسي لم استمع لصوت ضميري الذي يتقافز ناصحا ورادعا بل وقمت بغتياله فمااسهل المعينات علي موته في هذا الزمان فبمجرد ان يتشرب جسمك الحرام وتستمتع روحك بلذته وتنغمس فيه الا وتجد ضميرك صريعا او تجده قد خط علي اعتاب روحك (حضرنا ولم نجدكم ضميرك الغائب ) …
قد يكون الانسان ملاكا في طبعه ولكن ضع بين يديه السلطة والثروة فاذا به وقد اصبح ماردا جبار وطاغية قهار وكما أن الانسان لايأمن مكر الله فعليه الايأمن مكر نفسه عليه هذه النفس الامارة بالسوء …
وهاانا اقف قيصرا بين الاباطرة وابليسا بين الابألسة ابالسة البشر .. يخشي الناس سطوتي وجبروتي وماوصلت لهذه المكانة الا بمساعدة شياطين الانس ..
لتعلم ياسيدي العزيز أن شياطين الانس افجر واضل من شياطين الجن ،فشيطان الجن يزين لك ان تقوم بامر ما مجرد فكرة يلقيها في روعك ويوسوس بها مع نفسك بينما شيطان الانس هو من يمهد لك الطريق بل يمد يده ويدفعك دفعا لان تحول الفكرة لواقع ، الشيطان قد يزين لك شرب الخمر ومعاقرته ويلح عليك بالوسواس ولكن صاحب السمر هو من يمد لك يده بالكأس لتشرب حقا ..واصل كل إنحراف سيدي العزيز اصدقاء سوء .. اقصد شياطين سوء يمدون لك يد العون حتي تكون منحرفا اصيلا وقد وجدت هذه اليد بل واصبحت ليس منحرفا اصيلا فحسب وانما اصبحت ابليسا اصيلا .. لهذا انا راحل ساارحل لاني لا استطيع ان احيا بوجهين وجه بشري يصب علي غضب الله ووجه شيطاني يطردني من رحمة الله وجهان اجملهما قبيح وامرين احلاهما مر ساارحل حتي لااقع في مصيدة الاختيار بين البشر والشياطين اللذان هما وجهان لعملة واحد .. عملة الشر ، الا من عصم ربي وربك .

(5)
..
أتت إلي الدنيا بكامل زينتها كإمرأة تقول لي هيت لك ، وبما أنني لم اكن من عباد الله المخلصين فقد تلقفتها بين احضاني بعد أن دفعت مهرها غاليا ، بداية بموت الضمير ثم تجردي من إنسانيتي وتحولي شيطانا مريدا”.
وولجت الي عالم السياسة ، فكنت نعم السياسي البارع الذي يقطع الوعود كلاما ثم ينكثها فعالا..
فالسياسة هي فن خداع الشعوب المغلوبة علي امرها والمواطن المطحون الذي يعصر ليسكب الغني في جيوب الحكام ،وتعلمت أن السياسي هو من يحافظ علي مكسبه حاكما كان او معارضا وذلك ايضا بخداع الشعب فعندما يكون حاكما يمنيهم بصلاح الحال في القريب العاجل ، وعندما يكون معارضا يمنيهم بصلاح الحال بإسقاط النظام الحاكم وهكذا دواليك مابين حكومة ومعارضة .. انها لعبة كراسي ليس الا .
ومن اجل السلطة وبريقها تزوجت إبنة مسؤول كبير لاكسب مزيدا من القوة فاصبحت مرهوب الجانب ، واتيت كل منكر وفعلت كل فاحشة ، فماعادت مقاييس الاخلاق والالتزام تعنيني في شئ فقد عميت عيناي ببريق الدنياء الزائف .
وهبني الله إبنة ، ثم اعطاني الولد ، ولكن للحقيقة لم أكن أعرف عنهما شيئا سوي الاسماء فقد كنت دوما منشغلا عنهما بحجة انني اؤمن لهما المستقبل كنت اظن ان توفير المال هو اهم شئ حتي لايواجهان ماواجهته سابقا وكم كنت مخطئ عندها ولكن حيث لاينفع الندم ندمت ..
ولم تكن الأم هي الاخري صالحة لتؤدي دور الام فقد نشأت في بيئة فاسدة فهي الابنة المدللة للوزير (….) نعم لم تخطئ قراءة الاسم إنه هو بعينه ، وهكذا نشأ الاولاد في بيئة فاسدة ايضا فكان أن اصبحت البنت مدمنة علي المخدرات وللاسف كنت اقوم انا بادخالها للبلاد عبر حاويات ضخمة ويتولي من هم دوني توزيعها وترويجها في الجامعات وكانت هي تدرس في جامعة (……..) التي تعتبر من اكثر الجامعات التي انتشرت فيها المخدرات فاصبحت مركزا هاما وفيها سقطت ابنتي فريسة للادمان ، اما ولدي فهو ايضا سلك نفس الاتجاه وكان سكيرا عربيدا مدللا لدي امه وكانت البيئة مهيأة تماما لان يصير شيطانا ويتحول من بشر الي شر يمشي علي قدميه
لم أكن ابا صالحا ،وكيف اكون ابا صالحا وأنا فاسد في ذاتي
إن إنتاج أبناء صالحين وتكوين أسرة صالحة يحتاج في المقام الاول الي بذرة صالحة فالاساس في تكوين الاسرة هو الخلق والدين (من اتاكم ورضيتم خلقه ودينه فزوجوه) لم يكن المال او السلطة خيارا في تكوين الاسرة الناجحة ، والا فلن نجني سوي مزيد من الشقاء لهذا المجتمع ، وعلي كل شخص يسعي لتكوين اسرة عليه اصلاح ذاته قبل الإقدام علي هذه الخطوة لانه سيكون مسؤولا عن احضار بشرا حقيقين او ابالسة لهذه الدنيا .
اعتذر عن هذه المحاضرة ، تبا لي فقد استحضرتني مقولة ( الشيطان يعظ ) وان اتفوه بهذه الكلمات التي ماكنت لاهتم بها لو ان احدا صبها علي اذناي ، او ملاء بها كتابا يقرأ.فما كتبت اليك لاسدي النصح وانما لاخبرك القصة وابوح لك بكل شئ .
كان كل شئ في نظري علي مايرام وعلي اكمل مايكون كما خططت دائما ، حتي حانت لحظة الحقيقة لتنزاح الغشاوة من عيناي (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) نعم بعد كل تلك السنوات هاهو القدر يعاود مرة اخري ليرسم لي النهاية وهذه المرة ضرب بقوة كانه يعاقبني علي خطاياي ، دعنا من الكلام فقد اقتربت نهاية القصة ونهايتي .. نهايتي أنا
ولاني في عجلة من أمري إليك ماحدث سيدي العزيز
عدت من عملي الي المنزل بعد مغادرتي له بساعة فقد نسيت اوراق هامة تتعلق بإحدي صفقاتي المشبوهة كنت احتفظ بها في خزانتي الشخصية لاهميتها عدت وياليتني ماعدت ، فقد كان التاريخ يعيد نفسه ، هاهو المنظر القديم الجديد يطل امام عيناي ليصدمني صدمة مابعدها صدمة .. نفس المنظر مع اختلاف الشخصيات فتلك كانت أمي وهذه الان زوجتي …
نعم سيدي العزيز .. زوجتي كانت تخونني ، ماهذا الدوار ، ولماذا هذا الظلام ، ياليتني كنت نسيا منسيا لقد انتزعتني الصدمة لتلقي بي في عالم الحقيقة wellcome to the real world نعم هذا هو العالم الحقيقي .
لم ادري ماذا افعل ، نفس ماحدث سابقا خرجت وعندما اردت ان اركض لم تطاوعني قدماي فقد قام الزمن بواجبه واوهن عامل السن قدرتهما علي الركض ولاول مرة أشعر بأنني قد تقدمت في العمر فخرجت ماشيا اجر قدماي جرا ، لم الحظ سائقي وهو يتبعني مندهشا بالسيارة يسير خلفي ولايجرؤ علي مخاطبتي ، همت علي وجهي ساعات حتي انهكني التعب فأسندت ظهري الي جدار ثم ارحت باقي جسمي علي الارض واغمضت عيناي ودموعي تجري لاول مرة منذ وقت طويل لم ادري كم مكثت علي تلك الحال ، انتبه الاوصوت يدوي في الفضاء الله اكبر .. الله اكبر كان النداء لصلاة الظهر وكان الجدار لمسجد في المدينة .
ولأول مرة ايضا ومنذ وقت طويل اقمت الصلاة عندها شعرت بالراحة والسكينة تملاء نفسي .
إستدعيت المحامي الخاص بي واخبرته برغبتي في تصفية جميع اعمالي وبيع جميع ممتلكاتي والتبرع بها لبعض المؤسسات الخيرية ، فانطلقت ضحكته مجلجلة
– يالها من مزحة جيدة
لكنه عاد وابتلع ضحكته عندما رأي الجدية مرسومة علي وجهي فعاد يقول:
– هل انت جاد بهذا الامر
– نعم
– لماذا؟ اقصد ما السبب الذي يجعلك تقدم علي هذه الخطوة انا لا افهم سببا ل…قاطعته قائلا:
– هنالك اشياء نفعلها قد لاتبدو منطقيه من الوهلة الاولي ولكن عندما يعرف السبب يبطل العجب كما يقال
– وما السبب؟
– افضل ان احتفظ به لنفسي والان هل ستقوم بما طلبته منك
– نعم .. نعم ياسيدي ولكن هذا الامر يحتاج بعض الوقت لاجراء الترتيبات فلامر ليس سهلا
– حسنا ولكن لاتزيد عن اسبوع
نعم سيدي العزيز هذا مااردت ان اقوم به لاكفر به عن بعض خطاياي ، ولكن كأن القدر يأبي أن اتبرأ من ذنوبي فقد سارع المحامي لاخبار زوجتي فقد اعتبرني مجنونا .. وعندها فهمت زوجتي انني اكتشفت خيانتها فوضعت خطة محكمة بمعاونة والدها ولم يكد يمضي الاسبوع والا وانا داخل مشفي للمجانين مجنون باوراق رسمية ، ثم رفعت قضية حجر علي ممتلكاتي باعتباري مجنون ومصاب بلوثة في عقلي ودعمت دعوتها بالاوراق المزورة رسميا التي تثبت جنوني وجئ بي للمحكمة للتأكد من إدعائها امام القاضي ، فقام الطاقم الطبي باللازم وحقنوني بعقار ما جعلني مشوشا اقرب الي الابله منه الي شخص عاقل وشهد الطبيب بتلف عقلي وانا ابتسم فقد كانت الخطة محكمة وكان كيدها عظيما .. وضحكت فنحن الرجال مازلنا نصبو إليهن فنظر إلي القاضي مليئا فلم يعد لديه شك في جنوني ثم هوت مطرقته وهو يقول:
– وجدت المحكمة السيد (….) فاقدا للاهلية وعليه تكون الوصايه علي امواله وممتلكاته من حق زوجته حتي يبلغ ابناؤه سن الرشد .. رفعت الجلسة .
وها أنا أكتب إليك من داخل غرفتي بمستشفي المجانين وانا اجتر مرارة ماحدث والوكها وحدي ، أكتب إليك ولا أدري هل ستصلك رسالتي ام لا …كل ماأدريه هو أنني قررت الرحيل عن هذا العالم البائس وكيف لا ارحل بعد كل الذي حدث فقد كانت الصدمة قاسية والضربة كانت هي القاضية ، لا .. لا تطالبني بالبقاء والمكوث بينكم فماعدت أستطيع تحمل المزيد انا ذاهب لكي اعرف الحكمة من خلقي بشرا سارحل لاعرف ما الذي سلكني في سقر هذه .. سارحل لاني أرفض أن اعيش مرة اخري إبليسا بين الابالسة و شرا بين البشر
فوداعا ايها العالم المتعفن
وداعا ياأبالسة البشر …. إني راحل
التوقيع : إبليس سابق

**********
لا أدري ماذا اقول ؟ أو ماذا ساكتب ياصديقي الانسان ، لاشك عندي في انك قد رحلت الان وكلي أمل ان تكون قد وجدت الاجوبة التي كنت تنشدها رغم انها كانت امامك من البداية ، ولكن تسلط النفس اعماك عنها فالحكمة من خلقنا صديقي الراحل في هذه الارض حكمة عظيمة فقد قال الله جل شأنه (وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون) وقال (واذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة) الي قوله ( إني أعلم مالاتعلمون) فما بين عبادتنا وخلافتنا في الارض تتجلي حكمة التعمير فقد جعلنا خلائف لاعمار هذه الارض لا لتدميرها وتتجلي حكمة التعمير في قوله صلي الله عليه وسلم (اذا قامت الساعة وفي يد احدكم فسيلة نخل فليغرسها ) ..
ولكن يبقي السؤال هل نحن حقا كما وصفت ؟ مجموعة من الشياطين
هل حقا ان بداخل كل منا شيطانا رابضا في اعماقنا وشرا كامنا لم ينطلق بعد ؟
كيف السبيل الي منعه ؟
كيف نكبحه حتي لايدمر حياتنا
هل حقا ان الانسان لايعرف شيئا غير الجشع والطمع والجري وراء الشهوات وحب الذات ؟
لقد صرف الله الايات وكان الانسان اكثر شئ جدلا …
يبقي السؤال هل كلنا كذلك ؟
عبارة عن شيطان مصغر اذا اتيحت له الفرصة نما واستكبر وعاث في الارض فسادا …
لا أدري ………….
خالد محمد باعو
مارس 2003
تمت بحمد الله

معلومات عن الكاتب

خالد محمد باعو

خالد محمد باعو
مواليد 1981
مهندس صوت بتلفزيون البحرين

اترك تعليقاً