قال صاحب الكمان: لقد عرفتكم جميعا وشرفت بكم، إلا ذلك الرجل -مشيرًا نحوي- من يكون؟!

تقدمتُّ بخجل أؤخر خطاي، أنا ضيف جديد مثلك.. ثم التفتُّ نحو القادمين قائلا: أنا سعيد لأن الأمر مرّ بسلام في أرض لم تعرفه يوما.. حمدًا لله.. والآن، كيف تحتفلون هنا؟
-نحتفل! ما المناسبة؟
حرية محمود.
ليقول: لو أني أحتفل في كل مرة أسجن فيها لأنفقت ما يكفي لإطعام فقراء البلاد ولاجئيها.. هه الفكرة بحد ذاتها مضحكة.
-يا رجل، فيم ستضرك مرة واحدة فقط، القليل من البهجة مفيد جدا لك ولمن يتشبثّون بقميصك الذي بلي جراء العمل الطويل والسعي في وسط النهار.. القليل فقط. ثم كيف تحتفلون أنتم أيها القراء والمناضلون، ما هي ذروة المتعة لديكم.. نقاش حافل، كتاب مطبوع لتوه، أو كتاب قديم عفى عليه الزمن.. ولو كسرتم قواعدكم وتمردتم على العادة -وهنا التفت نحو صاحب الكمان-.. أصغيتم لبعض الموسيقى، هاه ما رأيكم؟ بعض الموسيقى؟ والقليل من الشواء ربما.. ما رأيكم أن نشوي روايات الحب.. المستغانمية تحديدا، مجرد مزحة يا فريدة!
وفي المساء، افترشوا الأرض التي شهدت الكثير، تردد عليها الزوّار، وأقلق سكونها أحذية الضباط القاسية، أو ربَت حبّا إثر لقاء بين قلبين كانا أقرب مما يكون القرب، ولو أنها ضربت مسافات طويلة من البعد بين اثنين قرآ الكتاب ذاته والتقيا فيه، إلا أنها جمعت شتات هؤلاء من مختلف القصص والأصواب، جميعهم عابريّ كتب لم يستقروا بعد.
ناصر يحمل فناجين القهوة ويوزعها على الحاضرين، ثم يجلس ويكمل الهلال الذي تحلّق حول صاحب الكمان، بدأ بمعزوفة لباخ مضيفا إليها بعض السكون.. عبق المكان برائحة القهوة ودفء الألحان، رغم أن الليلة ديسمبرية إلا أن فريدة لم تزل تشعر بالحرارة بغتةً كلما وقعت عيناها خطأ على محمود، التقى السيد خليل معي على هامش الهلال وقال لي: هل تعلم، أنا أشبهك بأصوات الناخبين البيضاء، منذ قدومك وأنت بلا لون ولا انتماء، ومع ذلك أشعر أن لك تأثيرا غريبا..
-هل تقصد أنه شبيه بالتخبّط الذي حل بالرؤساء إثر الأصوات البيضاء في رواية البصيرة؟ ترى ماذا كان سينزل بهم لو قالها الشعب “لا” صريحة في وجه خيال الديمقراطية الذي يصدّرونه لهم، في حين أن كل شيء ليس إلا مؤامرة محاكة بدقة متناهية..
-هكذا تمضي الأمور، كل قويّ يأكل من ريعِ الضعفاء.. ويكبر بهم.
اشتدّت حدة الكونشيرتو حتى صمت الجميع، وانكفأتِ الفناجين في حالة سمو وسفر، بعيدًا عن كل شيء وكل مكان، حلّقوا جميعا مع عصا الكمان السّاحرة، ولما هبطوا أمسكت فريدة سوادها الملكيّ كأميرات الليالي الألف، لتلتقي بمحمود على حين غرة.. قالت:
كم مضى من الوقت؟
-علام!
على الرسالة الأخيرة.. التي انتهت بكلمة عبرت كل مدارج قلبي المطمورة، بقدر ما غطى الشجر عنها الشمسَ، كنت تفسد ظلمتها بنورٍ رغم ضآلته، إلا أنه يملؤها بهاء وسحرا، وتعلقّا بالحياة التي اعتادت غلق الأبواب الواحد تلو الآخر أمامي، وضرب الحواجز والجسور العتيقة المتصّدعة في طريقي.. ما زالت روحك إلى جانب أخي الصّغير وهذا الوطنُ نصب عينيّ، حتى اجتزت كل عسير.
-لا فضل لي في كل هذا، أنا لم أربت على قلبك بعصّا سحرية فتنمو روح النضال والقوة فيه، ولم ألقِ عليه بتعاويذ أو ربطته بتمائم، كما أنني لم أمسح على عينيك فأحيلهما بحرًا سماويّا يسعُ كل شيء ويُغرق كل قلب، أنتِ أنتِ دون تدّخل مخلوق، نبيلةً وبهيّة.. فريدة دونًا عن العالمين.. لكنّك صعبة المنال وبعيدة، مثل الجنّة مهرها غالٍ.
ثم سكت بُرهة ليقول: لكنها أغلى.

مازلنا نتجاذب أطراف الحديث أنا والسيد خليل، سألني مباغتا: ماذا كنت تعمل في السابق؟
-معلما
وهل تنوي العودة لسلك التعليم؟
-لم يعد ذلك ممكنا.
ماذا كنت تدرس؟
-اللغة العربية.. تخيل.
ما الغريب في ذلك! أن تلقي بك الأقدار في مكتبة، لا شيء يحدث بمحض الصدفة أبدا.. أبدا.
تابع قائلا: إذا.. يمكنك الحصول على مصدر دخل بسهولة هنا، انظر.. لا أكثر من القرّاء في هذا المكان سوى الكتّاب، يمكنك أن تعرض عليهم تدقيق نصوصهم لغويّا بمقابل ماديّ، تقدّره أنت بحسب المجهود الذي يتطلبه منك، هذا بالإضافة إلى أمر آخر أكثر إثارة؛ بما أنك معلم لغة عربية فهذا يعني -بديهيّا- أن لسانك سليم وأنك متمكن من ضبط اللغة.. اسمع، هذه الأرض تنجب الكثير من النقاشات والنزاع، يجتمع هؤلاء ليتدارسوا كتابا أو رواية، ثم ما تلبث جلسة النقاش أن تتحول إلى حلبة لتراشق التّهم واستعراض المهارات اللغوية، وتنتهي دائما بأن يفض الجمع والكل خالي الوفاض من أي فكرة أو معلومة جديدة، لذا يمكنك أن تلعب دورا مهما حيال هذا الأمر.
-أي دور؟
إدارة النقاش، ستقوم بتنظيم جلسات المناقشة وأمسيات الكتب.. ما رأيك؟

معلومات عن الكاتب

لينا السماني

كوب القهوة المسكوب، يلهمني أن أكتب، وملامح شريد نهره أحدهم، تعطيني جملة أو اثنتين، ولو أنها تنخر موضعا من قلبي إلا أنني أهرع لأن أكتبها، أنا طفلة تبيع الورد في مدارج العابرين، وتبحث في الوقت نفسه عن ظل أحدهم..

اترك تعليقاً