الشمس ساقطة على رؤوسهم وما زالوا وقوفًا عند مبنى التلفزيون، وآخرون أكملوا مسيرهم أمام نقابة الصحافة حاملين نفس المطالب منذ ربع قرن لأجيال كثيرة طمر حقوقها الزمن والقهر، فلم تورث شيئا سوى الإنسانية المهدورة والجيوب المثقوبة، وقفت فريدة صامتة واللافتة فوق رأسها، تقدم منها ضابط أمن وقال: أليس لكِ أهل يأوونك ويحكمون وثاقك؟ أجابت: بل أنتم المربوطون إلى كعوب بنادقكم، عبيدًا ولكن مسلحين. ثم إن كل هذه البلاد بيتي وفقراؤها أهلي.
بصق على الأرض وقال لو لم تكوني امرأة لكانت هذه على وجهك، وقالت: لو كنت رجلا لكانت على وجه العدو.. لا مواطنة تحمي أرضك وأهلك.
فريدة هي البنت الثانية بعد حسن، الذي يكبرها بستة أعوام وهو ضابط شرطة كذلك، أول من زرع في قلبها كره رجال الأمن، كان يسرق أمه ويضرب زوجته، تعلم حسن أن يوجه أسلحته تجاه أهله فيتجبّر على الشيخ سائق الحافلة ويسرّح قاطع الطرق بعد أن يلقمه حفنة من المال، ذات مرة صادف فريدة برفقة محمود، استشاط غضبه فجذبها من عباءتها لتقوم بنزع يده بقوة، ولما رفع يده ليصفعها تلقاها محمود، قال له، النجوم على كتفك أكبر منك، أكبر منك كثيرا، وفريدة أجدر بها.
عملت في السابق كمحاسبة في أحد البنوك، لتعيل أسرتها الصغيرة.. إنها مسؤولة عن صبي في المرحلة الابتدائية، لما تعود من العمل كان يتلقّاها عند الباب، يحمل عنها ويستقبلها بسرور، قال لها يوما: لما أكبر سأصير طبيبا أو مهندس كهرباء..
لا تريد أن تصبح شرطيا مثل أخيك؟
-إطلاقا، أريد أن أحميكم وأحمل عنكم.
ولكن هذا دور الشرطي كذلك..
-ليس في هذه البلد.
طوقّت عضده بيدها وسارا سويّا، تُمني نفسها أن يكبر ويحمل عنها، يعين أهلها ولا يعين عليهم.. في قلب القرية المغمورة، وبيوتها التي لم تُسقف بعد، بين جماعات المشردين والأطفال باعةُ الثلج.. كانت خطاهما ترسم النور.
صمت الضابط وهو ينظر إليها منبهرا من حدتها ليقول: انقذي نفسك يا أخت حسن!
-أنا لست أخت حسن، أنا فريدة.
***
طرق الباب ثلاثا، وفتحت له الخادمة، سأل: أين عبدالله؟
-أهلا يا ناصر، ما الذي ذكرك بنا!
الوعد، الوعد يا عبدالله الذي نكثته، للمرة الثانية.
-تقصد محمود، الأمر خرج من يدي، لا أستطيع فعل شيء.
محمود وغيره، كان الاتفاق واضحا، أنا أمهد لك الطريق وأنت تحميني وأصدقائي والشرط ما زال قائما، ما زال قائما.. لو لم يخرج اليوم فلن يمر الأمر بسلام.. أبدا.

معلومات عن الكاتب

لينا السماني

كوب القهوة المسكوب، يلهمني أن أكتب، وملامح شريد نهره أحدهم، تعطيني جملة أو اثنتين، ولو أنها تنخر موضعا في قلبي إلا أنني أهرع لأن أكتبها، أنا طفلة تبيع الورد في مدارج العابرين، وتبحث في الوقت نفسه عن ظل أحدهم..

اترك تعليقاً