حدثت أحداث هذه القصة في الخامس والعشرين من نوفمبر, غطا الثلج شوارع بلوشان في ذلك اليوم وأعطى المدينة روح جديدة حيث بدت وكأنها وُلدت من جديد!
أظهرت ملامح بيتر مدى فرحه وابتهاجه في ذلك اليوم, وبالطبع كان هذا التقلب في مزاجه بشكل إيجابي هو الشيء المميز لفصل الشتاء, حيث يهجر التفاؤل كل مكان ويستقر عنده!
في مساء ذلك اليوم, حضر ماكس كارد مع حصانه الأسود الذي يجر عربة بيتر الخشبية سوداء الحواف المفضلة لديه. صعد وجلس على مقاعد العربة بعد أن ألقى التحية على السيد كارد ولحقه مانتل بلاسم.
ـ بدلة سوداء؟ وأخر؟ تغيير ملحوظ يا رجل.
نظر بيتر تجاه صديقه وابتسم ببرود وأجاب:
ـ أنه الشتاء يا صديق, واللون الأسود يشعرني بالدفء, أنه دافئ!
ـ أجل, لذلك أفضله, كما يظهرك أقل ضخامة.
ضحك, ثم رد:
ـ هذا من صالح العدو يا صديق, يظنني هزيلاً, ثم يندهش بالحقيقة!
توقفت العربة وترجل الصديقين, دخل مانتل إلى الحفل بينما طلب بيتر من السيد كارد الحضور عند العاشرة ثم لحق بصديقه.
أقام هذا الحفل صديق بيتر الجراح ريتشارد, وقد تعود أن يفعل ذلك منذ زمن طويل, أعتبر بيتر حفلات هذا الرجل مساعدة له في معظم الأحيان, كما أنها ساعدت في حدوث جرائم كما حدث  في قضية مقتل العجوز بواسطة رباط الحذاء المشبع بالياسمين!
قضى الشابان ساعتين في الحفل, غادرا بعدها إلى المنزل بعد حضر كارد وأصطحبهما إلى المنزل, تفاجأ بيتر بوجود رجل يرتدي معطفاً من الفرو يقف قرب باب منزله, ترجل بيتر وتقدم نحو وقال:
ـ من هناك؟ صائد دببة؟!
ألتفت الرجل, وإذا له المفتش المحلي في بلوشان, السيد فليب لانج. قال وهو يصافح بيتر:
ـ أين كنت سيد كوريندكانت؟ أنا في انتظارك منذ نصف ساعة!
ـ حقاً؟ هذا مؤسف, تعال إلى الداخل لتحصل على الدفء اللازم, كوب من…
قاطعه لانج وقال بصوت المحتج:
ـ لا, لا يمكنني ذلك, الوقت يداهمنا, نحتاج مساعدتك بسرعة.
نظر بيتر إلى مانتل الواقف خلفه وقال لفليب بنبرة جادة:
ـ ما الأمر إذاً؟
ـ يستحسن أن ترافقاني إلى مركز الشرطة لنتوجه بعدها إلى مسرح الجريمة!
ـ لك ذلك.
بعد وصولهم إلى مركز الشرطة باستخدام عربة السيد كارد, أخذ المحقق لانج بعض الأوراق معه من المركز وقاد سيارته مع بيتر ومانتل وأتجه نحو مسرح الجريمة.
ـ من الضحية؟ يبدو أنها شخصية مهمة حتى تطلبني في هذا الوقت.
ـ هي كذلك يا بيتر, لقد أتت من خارج بلوشان, أنها المغنية الشهيرة آن جوردن, حضرت إلى بلوشان مع فرقتها الموسيقية لأداء حفل غداً, لكن للأسف وجدناها مقتولة في كواليس مسرح الزرقاء.
ـ من المؤسف حدوث ذلك, ها نحن ذا نخسر حنجرة ذهبية, أخبرني صديقي فليب, ما سلاح الجريمة؟
ـ لم نجد شيئاً! لكن حسب تقرير الطبيب الشرعي فأنها ماتت بسبب طعنات متوالية على عدة مناطق في جسدها باستخدام أنبوب صغير ودقيق جداً مغمور في السم.
ـ أنبوب صغير ودقيق جداً؟
صاح مانتل في تلك اللحظة متدخلاً:
ـ إبرة؟!
ألتفت بيتر نحو وقال:
ـ تماماً صديقي مانتل, ربما يكون السلاح إبرة, وهكذا مع السم الذي فيها والطعنات المتتالية, يصبح الموت نتيجة حتمية.
ـ معك الحق.
ـ الآن لننتظر وصولنا إلى المسرح لمعاينة الجثة والمكان!
مرت دقائق حين توقفت السيارة في الموقف المخصص لها قرب المسرح, دخل بيتر المسرح الذي كان مطوقاً برجال الشرطة, تقدم للأمام وصعد خشبة المسرح وجال فيها حتى  وعيناه لا تفارقان الأرض, رفع رأسه فجأة وعبر إلى الناحية إلى أخرى من المسرح حيث الجثة. توقف عندها ويداه في جيبه, جثا تفحص عنق الجثة بعد أن وضع قفازيه, أشار إلى عدة ثقوب صغيرة على عنقها أسفل أذنها اليسرى وقال مخاطباً مانتل بلاسم:
ـ أظن أن الطعنات ـ أو بالأحرى الوخز ـ على العنق هي السبب الرئيسي للوفاة, أما ما يتعلق بباقي الجسد فهذا يدل على مدى حقد القاتل على الضحية, ودون أن ننسى أنه شخص يستطيع تمالك نفسه, فلم يؤذي الضحية بشكل غير لائق أو غير إنساني, شخصية مميزة!
نهض وراح يزيل الغبار من بنطاله, قطب حاجبيه فجأة وتشابكت أصابعه العشرة خلف ظهره وراح يمشي بسرعة ورأسه مائل إلى الأمام , ظن السيد لانج ومن معه من رجال الشرطة أن بيتر يسير بغير هدى, لكن مانتل بلاسم كان  متأكداً أن صديقه يسير بخطة ما. خرج بحالته ذاتها إلى المسرح وجابه مراراً وتكراراً, عاد مجدداً إلى حيث الجثة وسأل المحقق لانج:
ـ أخبرني سيد فليب, متى وصلت الآنسة إلى هنا؟
ـ حسب ما ذكرت الفرقة خاصتها, فقد وصلوا عند تمام السابعة والنصف.
ـ هذا جيد. وحسب ما نعرف فالآنسة جوردن تقطن في مدينة ويفت المجاورة, وقد وطئت قدمي تلك المدينة مع صديقي مانتل واستغرقت الرحلة 12 ساعة, وذلك باستخدام العربة والحصان, لكن حسب تقديري فسيستغرق الطريق بسيارة حوالي خمسة أو أربعة ساعات, فما الذي أخرهم هكذا؟ أظنهم تحركوا منذ الصباح؟!
أجاب الشرطي الواقف خلف المحقق لانج:
ـ لقد أخبرنا أحد أفراد الفرقة أنهم كانوا ينتظرون الآنسة جوردن في الحافلة قرب إحدى محطات الوقود, وقد حضرت هي في تمام الرابعة عصراً وتحركوا تجاهنا بعد ذلك.
ـ ثلاثة ساعات ونص! مناسبة بالنسبة لسيارة ـ أو حافلة ـ تمتلك محركاً جيداً.
صمت ثم أردف ساخراً:
ـ عصراً, ظننتها صباحاً! أشكرك على التوضيح.
حاول كبت ضحكته الساخرة وراح يحوم في أرجاء المسرح بينما واصل رجال الشرطة البحث عن سلاح الجريمة. جاء بيتر إلى المحقق لانج وبيده حقيبة المغنية:
ـ ألم تلاحظوا بها شيئاً غريباً؟!
قال بيتر ذلك ووضع الحقيبة على الأرض, راح فليب لانج يبحث داخلها ثم رفع رأسه وقال متردداً:
ـ هذه ثاني مرة! لا أظن ذلك, هل لاحظت أنت شيئاً غريباً؟
ـ ربما القليل سيد لانج, لاحظت وجود خاتم لا يتناسب حجمه مع الأصابع النحيلة للآنسة آن جوردن بتاتاً, وجدت أيضاً العطر الذي كان تضعه قبل وفاتها, لكن ما حيرني فعلاً ـ سيد لانج ـ أنني شممت رائحة عطر أخر على ذراع معطفها  الأيسر! وعلى نفس المعطف, لكن على الذراع الأخر ـ الأيمن ـ لمحت بقايا تبغ محترق تمتد من المعصم حتى المرفق, لن تلاحظ وجوده إلا إذا دققت النظر واستخدمت حاسة الشم.
قال المحقق فليب بعد لحظات من التفكير:
ـ وماذا يعني ذلك؟!
ـ ربما يعني شيء ما, وربما لا, من يعرف؟ الآن اسمح لي أود أن ألقى نظرة على الحافلة التي حضر بها الوفد الفني.
خرج مسرعاً حتى وصل الحافلة, فتح الباب وأضاء مصباحه اليدوي, لم يستطيع تقدير طول الحافلة بالضبط, لكنها طويلة نسبياً, الجانب الأيمن خالي من أي مقعد أو شيء أخر سوا حقائب الفرقة والمغنية بالإضافة إلى الآلات الموسيقية الموجودة داخل صناديق خشبية محكمة الإغلاق. أما الجانب الأيسر فاستقر به خمس صفوف من المقاعد, كل صف به مقعدين, بالإضافة إلى مقعد السائق وبهذا يكون العدد الكلي للمقاعد إحدى عشر مقعداً. سلط الضوء على كل مقعد على حدة كمن يبحث عن ذرة رمل أو حبة خردل أو ما شابه. ترجل من الحافلة وعلى وجهه أمارات الرضا, وجد مانتل أمامه وقال:
ـ الحقيقة تتضح أيها الصديق, سيكون أحدهم في زنزانة قريباً. لكن لدي استفسار صغير أيها الصديق! أين تقع مدينة ويفت الجميلة؟
ـ جنوب بلوشان!
ـ أي هذا يعني أن الحافلة ستكون متجهة من الجنوب إلى الشمال؟
ـ أجل!
ـ أشكرك أيها الصديق, لن أستغني عن معروفك أبداً!
ـ لماذا هذه الأسئلة؟
ـ ستعلم لاحقاً أيها الصديق!
حضر المفتش لانج في تلك اللحظة.
ـ أوه سيد لانج, كنت قادم إليك!
ـ تفضل سيد بيتر.
ـ هل عدد أفراد الفرقة الموسيقية سبعة أشخاص؟
ـ أجل…
ـ أربعة رجال, وثلاثة نساء؟!
ـ أجل, أجل هذا صحيح, هل قابلتهم أو ما شابه؟
ـ لا بتاتاً, استنتجت ذلك من مقاعد الحافلة, يبدو أن الفرقة مكونة من أربعة رجال ذوي علاقة وطيدة مع بعضهم البعض مما يدل أنهم يعملون مع المغنية الشابة منذ نشأتها ـ أي سبع سنوات ـ بل أظنهم يعملون لفترة أطول حتى من قبل العمل معها, وأراهن أنهم كانوا يعملون لمغني أو مغنية هندية!! والتبغ الذي كانوا يدخنون دليل على ذلك ـ سيد لانج ـ وعدم معارضة المغنية ذات الست وعشرين عام على هذه الأبخرة كريهة الرائحة… أما بالنسبة للفتيات الثلاثة, فاثنين منهم على سابق معرفة وقد جلسا قرب بعض ضغط وزنيهما على المقعد الأسفنجي يدل على أنهم على معرفة ببعض. أما الفتاة الأخيرة فهي جديدة في الفرقة وقد جلست وحدها!
ـ استنتاج ممتاز سيد…
قاطعه بيتر وهو يعود لداخل المسرح:
ـ لا مجال للإطراء سيد لانج, يمكنك شكري بعد أن أحل القضية!
سار مسرعاً ومانتل خلفه, تخطا الكواليس وغرفة المغنين وتوجهوا إلى مكان العمال حيث يجهزون كل ما يختص بالحفلات, تشابكت أصابعه مجدداً خلف ظهره وجاب المكان ونظره لم يفارق الأرض, انحنى فجأة ورفع سيفاً بلاستيكياً وناوله لمانتل.
ـ ماذا يفعل هذا هنا؟
ـ لا أعرف, لكن حسب ما أعرف فمسرح التمثيل كما تعرف يحتوي على غرف محدودة وقد تزيد الفرق الممثلة عن عدد الغرف, لذلك يلجئون إلى هذا المسرح وغرفه الفارغة للتدرب وإنشاء أداء تجريبي وما شابه.
ـ أوه! ممتاز صديقي مانتل, هيا بنا إلى المسرح الأخر, ماذا كان اسمه؟
ـ ” ذا أرت”
ـ هيا بنا إذا!
ـ لكن ماذا عن الزمن؟ ألا تظنه تأخر؟!
أدار معصمه ونظر لتلك العقارب البرونزية وقال:
ـ إنها الواحدة إلا ربع , سنعمل حتى أصبح راضياً عن نفسي.
صمت ثم أردف بعد فترة:
ـ صباحاً!
ثم راح يضحك بصوت مرتفع وبطريقة ساخرة حتى وصلا المحقق لانج واتجه الثلاثة نحو المسرح.
أخذ الطريق حوالي سبع دقائق فقط, ترجل الثلاثة من السيارة ودخلوا إلى المسرح من بوابته الخلفية حيث يقود مباشرة إلى غرف التجارب.
ـ من الجيد أن المسرح يعمل حتى الصبح هنا, فخلال الأسبوع القادم سيعرضون ستة عروض والست فرق تتدرب على عروضها.
ـ هذا من حسن حظنا سيد لانج, أخبرني إذاً كم عدد الغرف المُعدة للتدريب؟
ـ ثلاثة عشر غرفة.
ـ حسناً, أود أن أفتش السبع غرف الفارغة سيد لانج, لا داعي للبحث داخل الست غرف الأخرى.
ـ لك ذلك, لكن هل لي أن أعرف السبب سيد كوريندكانت؟
ـ ببساطة لمحت سيفاً يعود إلى هنا في مسرح الزرقاء, ومن الجو العام, الرائحة التي تعج في المكان والأزياء المعلقة, استنتجت أن فريق ما ينوي عمل مسرحية أو عرض عن شعوب الفايكنج.
ـ حسناً…؟!
ـ يصعب الشرح الآن, سأبين لك كل شيء لاحقاً.
مشى بسرعة ومعه مانتل والمحقق فليب, راح يفتش كل غرفة على حدة تفتيشاً دقيقاً وسجل مانتل كل ما حدث على مذكرته الصغيرة. بعد انتهاء الجولة التفتيشية خرج بيتر ومن معه حتى وصلوا السيارة وقال لهم:
ـ دعونا نستذكر ما وجدناه في الغرف الستة, ينوي من يستأجر هذه الغرف عمل ستة عروض مسرحية: أحد أعمال شكسبير, عرض رومانسي أو ما شابه, عرض عن القراصنة, عرض عن الفيزيائي إسحق نيوتن,عرض عن الكيمياء و عرض عن الحروب الأهلية قديماً في غرب أوروبا, وهذا استناد على طبيعة الأدوات والأزياء في الغرفة أيها السيدان, وغداً سنتأكد من صحة ذلك من المسئولين.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معلومات عن الكاتب

عبد الرحمن محمد

اترك تعليقاً