قضية العشيق الزائف
 
راح مانتل بلاسم يتقلب يمنى ويسرى في فراشه, أراد النوم قليلاً لكن ليس من عاداته أن يغمض عينيه في وقت كهذا كما أن دقات أظافر صديقه على الطاولة الخشبية التي يظنها بيانو كعادته ساعدت في إبقاءه يقظاً. أنتفض من فراشه رامياً غطاءه أرضاً وأتجه نحو صديقه الذي كان التوتر ظاهراً عليه. جلس مقابلاً له وقال بامتعاض:
ـ بربك يا بيتر, أليس من حقي أن أنعم بساعة نوم بعد سهري معك ليلة أمس!
ـ أشعر بالملل صديقي مانتل, سينفجر رأسي إن لم أجد ما أفعله, هذا جحيم!
ـ أوه, تراوغ وتبتعد عن الموضوع الأساسي, لن أتعاطف معك هذه المرة!
ـ حقاً؟
ـ أجل, ويتوجب عليك قص أظافرك لئلا تُكسر.
ـ أشكرك على هذه النصيحة الذهبية صديقي مانتل. قد يزيل هذا الممل لخمس دقائق, لكن أعدك أنني سأشرع في التذمر بعد أن أفرغ من أظافري!
قص أظافره وهو يتحدث مع صديقه, وبعد أن فَرغ من ذلك أتجه بنظره نحو صديقه وعلى وجهه علامات الخبث, ولكن قبل أن يبدأ بالكلام سُمع صوت قرع الباب! نهض مانتل بتثاقل ليفتح الباب ليجد خلفه فتاة شابة أنيقة يبدو عليها الرفاهية. دعاها مانتل للدخول ولبت طلبه وقادها نحو الممر حتى وصل حيث كان بيتر جالساً. نهض بيتر من مكانه وصافحها وأعد لها مقعداً للجلوس.
ـ مرحباً سيد بيتر كوريندكانت, أعتذر عن زيارتك في مثل هذا الوقت!
ـ لا, بتاتاً يا آنسة, إنه وقت مناسب تماماً.
ـ حسناً. الواقع أنني سمعت الكثير عنك وقد جئت لاستشارتك في قضية حدثت لي, أو بالأحرى لصديقة لي, وأود معرفة ما قد أفعله لمساعدتها.
ـ يشرفني خدمتك وسماع مشكلتكما سيدة…؟
ـ دراجو, جوانا دراجو.
ـ أراهن أنك قد تزوجت قبل زمن ليس بكثير سيدة دراجو.
ـ أجل سيد كوريندكانت, أظنك علمت ذلك من خاتمي الجديد!
ـ بتاتاً, لكن منذ أن حضرتي لم تتوقفي عن تحريك خاتمك من مكانه مما يبدو أنه ليس مريح, لكنك ستعتادين الأمر وسيصبح جزء منك!
ـ أتمنى ذلك!
ـ أسردي علينا ما حدث سيدة دراجو.
قامت بتعديل جلستها وقالت:
ـ بدأ الأمر قبل عام, برغم من كونه أمراً طبيعياً آنذاك. تقدم شاب يدعى فرانك براون لخطبتي وذلك بعد عدة لقاءات بيننا وقد وافقت, لاحظت انحراف سلوكه وإدمانه على الشرب الأمر الذي جعلني أغير رأيي وإنهاء الخطبة كان قراري, حاول استعادتي عدة مرات لكنني رفضت, وبعدما مل من ذلك عاد من حيث أتى.
سألها بيتر وأمارات الحيرة على وجهه:
ـ هل علمت إلى أين رحل؟
ـ إلى الصين حسب ما قال.
مط شفتيه ونظر إلى رفيقه وأشار إلى السيدة بأن تكمل.
ـ لم أسمع عنه أبداً ولم يراسلني. وقبل شهرين من الآن تعرفت على السيد دراجو ـ القادم من روسيا ـ وتطورت علاقتنا حتى قررنا الزواج وقد تم ذلك قبل أسبوعين من الآن بالضبط, أذكر أمراً واحداً جعلني أرتاب وهو أنه طلب مني قبل الزفاف بثلاثة أيام أن نزور الطبيب وأجرى لي فحصاً شاملاً لم أخضع له من قبل, وحين سألته عن سبب ذلك أخبرني أننا سنمضي شهر العسل خاصتنا في منطقة ريفية جميلة وهادئة وأنه يخشى ألا نجد طبيباً هناك في حال أصابني مكروه. قبل أسبوع وصلتني رسالة من صديقتي ـ أماندا كلارك ـ طلبت مني أن أحضر إلى المقهى لتخبرني بأمر مهم, حضرت لأجدها في غاية السعادة وبعد أن جلست أخبرتني بالأمر مباشرة وكان دخولها في علاقة مع شاب دعته باللطيف وحين سألتها عنه تلعثمت وقالت أنه خطيبي السابق, فرانك براون! صُدمت بالأمر ووبختها على هذا الفعل الطائش علماً بأنها على علم بتجربتي السابقة معه لكنها أصرت وقالت أنه قد تغير وأصبح غنياً وأهداها ساعة ذهبية.
صاح بيتر وهو ينظر إلى مانتل:
ـ هذا كثير, كما أنه رائع!
ـ أعطيتها حريتها في التصرف وطلبت منها توخي الحذر. بعد ثلاثة أيام من ذلك دعاها لمقابلته في الغابة المجاورة وتحدثا لنصف ساعة حسبت ما ذكرت هي, وذكرت أنها شاهدته ينصرف في اتجاه بينما انصرفت هي في الاتجاه المعاكس, ولكن فور أن استدارت باغتها أحدهم بضربة على رأسها أفقدتها الوعي. استيقظت لتجد نفسها في منزل فرانك الذي أخبرها أنه سمع صراخها وأسرع إليها وقام بإسعافها وقد تمكن الفاعل من الهرب. دعني أخبرك أن صديقتي تعلقت به أكثر بعد هذه الحادثة ولم تعد ترضى بأي كلمة ضده… أما الفاجعة الكبرى فحدثت مساء الأمس حين دعاها لتناول العشاء وختم تلك الليلة بأن طلب منها الزواج!
تفاعل بيتر مع السيدة وكان الانبهار بادياً على وجهه كما أن مانتل لاحظ الابتسامة الساخرة الصغيرة التي تكاد لا تُلاحظ. أكملت السيدة دراجو بعد أن التقطت أنفاسها:
ـ هذا كل ما في الأمر وأرجو منك سيد كوريندكانت إفادتي وأخباري بما قد أنصح به صديقتي التي استشارتني صباح اليوم. كما أود أن أعرف من الذي هاجمها!
ـ الآن, أطلبي منها أن تتريث ولا تقم بأي خطوة ولا تقدم لسيد براون أي رد, وسأرسل إليك لتحضري عندما أعرف المُعتدي وبالطبع أجهز النصيحة الذهبية, لك ولصديقتك آنسة جوانا!
ـ شكراً سيد كوريندكانت, سأنتظر رسالة منك.
رافقها مانتل حتى الباب وعاد وبادر بسؤال بيتر:
ـ لماذا دعوتها آنسة جوانا قبل قليل؟
ـ لكي تعتاد على هذا الاسم.
ـ ماذا تعني؟
ـ لا مزيد من الأسئلة مانتل, لاحت أمامي بعض الحقائق التي أود أن أتأكد من صحتها وسأخرج الآن وسأعود لاحقاً.
دخل غرفته ولبس ملابسه المميزة ـ البدلة الخضراء ـ ووضع تلك البرونزية الجميلة على معصمه الأيسر ليضبط زمنه وخرج دون أي كلمة أخرى مع صديقه.
 أضاءت الأنوار  شوارع بلوشان, متع مانتل ناظره بهذا المنظر العادي وعاد للمنزل, لم يمكث إلا دقائق حتى وصل بيتر. صاح مانتل:
ـ أراهن أنك حللت الأمر!
ـ صدقت صديقي مانتل, والأمر أكبر مما نظن بكثير وقد كان تصرفاً حكيماً من الشابة جوانا أن تزورنا وتقص علينا قصتها.
ـ أخبرني ما حدث؟
ـ أنتظر حتى الغد صديقي مانتل, سنكشف كل شيء. والآن أسدِ لي خدمة!
ـ ما هي؟
ـ أطلب من الآنسة جوانا أن تحضر غداً عند العاشرة ـ فهذه الساعة الأنسب لحل لغزها, وأكد عليها اصطحاب زوجها فذا مهم جداً وسيوفر علينا الكثير من الجهد.
ـ لك ذلك.
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
تناول بيتر و مانتل الإفطار معاً وتبادلا الحديث حتى قُبيل العاشرة بدقائق, حينها نهض بيتر من مكانه وفتح جميع النوافذ ووضع كرسيان المسافة بينهما متران والشخص الذي سيجلس على أحدهما لن يكون بمقدوره النظر عبر النافذة إلا إذا استدار. لم يفهم مانتل السبب الذي دعا صديقه لتلك الأفعال ولم يسأل لأن الإجابة ستكون معروفة ” أنتظر صديقي مانتل, ستعرف ذلك لاحقاً ”
دقائق مرت ودخلت السيدة دراجو وبرفقتها زوجها السيد دراجو, كان طويل القامة ويتميز بالضخامة وعلى وجهه خدوش صغيرة دلت على عيشه لحياة صعبة. صافحهما بيتر وطلب منهما الجلوس على الكرسيين المتباعدين, طلب من مانتل الجلوس بجواره وكان قد طلب منه سلفاً تجهيز سلاحه دون ذكر السبب. شرع بيتر في حديثه:
ـ فور خروجك من هنا, خرجت أنا الأخر لحل مشكلة صديقتك كما طلبتِ, وتتبعت صديقتك التي خرجت من محل عملها وابتاعت بعض الأشياء من المتجر وعادت إلى منزلها وقد استنتجت من مظهرها أنها تعاني خطباً ما في نظرها ووضعت هذه المعلومة جانباً… خرجت بعد ذلك بساعتين وقابلت المدعو…
حول نظره إلى السيد دراجو وأكمل:
ـ المدعو فرانك براون واستمر لقاءهما ساعة واحدة وانصرفت هي بعد ذلك وتعقبت أنا الشاب براون… أوه, وهناك نقطة أود ذكرها, لقد نسيت صديقتك أماندا بطاقة كان قد سلمها لها فرانك, دعونا من ذلك ولنعد للمهم… تتبعت فرانك كما قلت ودخلت خلفه إلى تلك الحانة وتحديته في لعبة الأسهم وتيقنت بعد أن هزمني ودفعت له ثمن الشراب أمراً أخراً ضعوه جانباً هو الأخر! وعدت بعد ذلك إلى المنزل.
نظر إلى مانتل بطرف عينه وقال بهدوء:
ـ هل تتفق معي؟
ـ أجل, أكمل.
ـ حسناً, دعونا نكشف الغموض عن قضية الشابة أماندا في الغابة… وصلتها رسالة من الرجل الذي يبدو أنها أرادت أن تحبه, يطلب منها الحضور إلى الغابة, أطاعته دون التفكير في العواقب وارتدت أفضل ما لديها لتبدو جميلة وبالطبع تركت نظارتها في المنزل لأنها تعتقد أن ذلك أفضل لجاملها. تبادلا الحديث لنصف ساعة في منتصف الغابة. ومن الأفضل ذكر حالة الغابة في ذلك اليوم, الكثير من الورق المتساقط الجاف ورياح شديدة الهبوب. بعد أن انتهى اللقاء راقبت المسكينة أماندا صديقها وهو يغادر ولكن ما لم تنتبه له هو الاتجاه الذي سلكه!
صاحت السيدة دراجو:
ـ بالطبع كان مغادراً!
ـ أخشى أن ذلك غير صحيح أيتها الشابة جوانا… لا أدرى إذا لاحظ أحدكم ذلك ولكن سيكون الفرد غير قادر على تحديد الاتجاه إذا راقب شخصاً ما وهو يمشي في الظلام, ناهيك عن شخص ذا نظر سيء مثل أماندا كلارك!
سأل السيد دراجو:
ـ هل تعني أن الرجل هو الفاعل؟
ـ أجل سيد دراجو, السيد فرانك براون هو الفاعل!
صاحت السيدة دراجو:
ـ لكن كيف ذلك, لقد شاهدته ينصرف, وهو من أنقذها!
ـ إليكم ما حدث… بعد أنصرف السيد براون تلك الليلة ظلت أماندا تراقبه وبعد أن أبتعد قليلاً استدار وبالطبع لم تلاحظ المسكينة أماندا ضعيفة الإبصار ذلك, و بعد أن استدارت مباشرة قام برميها بحجر أو عصى بقوة كبيرة ـ تماماً كما رمى الأسهم في الحانة ـ الأمر الذي أفقد المسكينة وعيها… وبكل بساطة قام بحملها إلى منزله ويظهر في صورة البطل المنقذ مما جعلها ممتنة له و تقبل بأي طلب يمليه عليها!
صاح مانتل وأضاف:
ـ وسيجعلها ذلك توافق على طلب الزواج الذي خطط له!
ـ بالطبع صديقي مانتل, كان ذلك مخططه.
ـ أوه, أشكرك على ذلك سيد كوريندكانت, ما كنت أعرف ما سأفعله بدون استشارتك!
ـ لا, لا تشكريني بعد آنسة جوانا, لم أنته بعد!
ـ ماذا تعني بذلك؟
ـ لقد أشارت ساعتي إلى التاسعة حين خرج فرانك من الحانة بالأمس, وواصلت مراقبته لأجده يقابل أحدهم… أجل لقد قابل السيد دراجو!
شهقت السيدة دراجو واتسعت عيناها وراحت تنظر إلى زوجها الذي يبعد عنها مترين, أكمل بيتر متجاهلاً انفعالها:
ـ من هنا فهمت ما يحدث آنسة جوانا, والبطاقة التي تركتها أماندا على الطاولة ـ وهي بطاقة طبيب ـ وطلب السيد دراجو منك بأن تجري فحصاً شاملاً, هذان الأمران جعلاني أشك في أمرٍ ما وبعد مقابلتي لصديق لي قديم تأكدت من الأمر… السيد دراجو وصديقه السيد براون يعملان في تجارة الأعضاء البشرية!
أنهى بيتر جملته ونهض من مكانه وأشار لي مانتل بيده يطلب منه إشهار سلاحه. أراد السيد دراجو أن يخرج سلاحه لكن بيتر أنقض عليه وأرداه أرضاً بلكمة على وجهه وهنا جاء رجال الشرطة من النوافذ المفتوحة وقيدوا السيد دراجو واقتادوه للخارج. 
نظر بيتر للسيدة دراجو وقال لها وهي مطأطئة رأسها:
ـ أعتذر عما حدث لك آنسة جوانا, لقد اكتشفنا الأمر مبكراً وكان ذلك من صالحنا, أحمدي الرب على ذلك!
شكرته مجدداً وانصرفت. نظر مانتل لصديقه وهو غارق في كرسيه والرضا ظاهر على وجهه.
ـ لماذا شككت في الزوج منذ البداية؟
ـ الخاتم صديقي مانتل, لم يكن من الذهب بتاتاً إنما مطلي به وحسب الأمر الذي جعلها تتضايق منه, كما أن اسمه الأخير ” دراجو ” اسم روسي وعندما سألت عنه تبين لي أن هذا الرجل لا يمتلك حتى جواز سفر ومن المستحيل أن يكون جاء من هناك وملامحه أكدت لي ذلك, هذا ليس اسمه حتى! كما سمعته وهو يتكلم مع فرانك ويسخر من الفتاتان ومدى غباءهما حين صدقا أن الخاتم والساعة من الذهب… كما أن فرانك ذا شهرة واسعة وجميع من في الحانة يعرفه ومن كلامهم معه تبين لي أنه يقطن إحدى المدن المجاورة ولم تطأ قدماه أي مكان أخر.
أطلق ضحكته الساخرة وأردف: 
ـ كم أحسد ذلك اللعين على مخيلته المضحكة, الصين!!! يا له من ظريف, إنه لا يمتلك حتى جوازاً… دائما ما يستغل هؤلاء التجار الفئة اليائسة من المجتمع, تماماً مثل جوانا و أماندا, فبالطبع لن ترفض فتاتان مثلهما طلب أحدهم بالزواج بعد وصولها لهذا السن!
#peter_Korendekant

#Abdalrhman_M_yassin

معلومات عن الكاتب

عبد الرحمن محمد

اترك تعليقاً